قد علمنا ما فرضنا عليهم فى أزوجهم
[الأحزاب: 50] وقال تعالى: ﴿ فمن فرض فيهن الحج ﴾ أي فمن أحرم في هذه الأشهر بالحج ﴿ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ﴾. قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (فلا رفث ولا فسوق) بالرفع مع التنوين والباقون بالنصب بغير تنوين. واتفقوا في قوله: (ولا جدال) بالنصب غير أبي جعفر المدني فإنه قرأ بالرفع وهذا يقال له: لا التبرية فكل موضع يدخل فيه لا التبرية فصاحبه بالخيار إن شاء نصبه بغير تنوين وإن شاء ضمه بالتنوين مثل قوله
ولا خلة
[البقرة: 254]
ولا شفعة
[البقرة: 254] وتفسير الرفث هو الجماع كقوله:
أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم
[البقرة: 187]؛ وقال بعضهم: الرفث: التعرض بذكر النساء والفسوق: هو السباب، والجدال: أن تماري صاحبك حتى تغيظه. أي من كان محرما لا يجامع في إحرامه ولا يسب ولا يماري ويقال: الفسوق الذبح للأصنام. كقوله تعالى:
أو فسقا أهل لغير الله به
[الأنعام: 145] والجدال هو أن قريشا كانت تقف بالمزدلفة وكانوا يجادلون كل فريق يقولون: نحن أصوب سبيلا. وروي عن مجاهد أنه قال: قد استقر الحج في ذي الحجة فلا جدال فيه وذلك أن المشركين كانوا يحجون عامين في ذي القعدة وعامين في ذي الحجة فلما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة بعث أبا بكر ليحج بالناس فوافق ذلك آخر عام ذي القعدة فلما حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع وافق ذلك (أول) عام في ذي الحجة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
" ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض "
يعني رجع أمر الحج [إلى ذي الحجة] كما كان فنزل: ﴿ ولا جدال ﴾ ﴿ في الحج ﴾ ثم قال: ﴿ وما تفعلوا من خير ﴾ يعني من ترك الفسوق والمرأة والجدال ﴿ يعلمه الله ﴾ أي يقبله الله فيجازيكم به. ﴿ وتزودوا ﴾ في سفركم للحج والعمرة ما تكفون به وجوهكم عن المسألة. ﴿ فإن خير الزاد التقوى ﴾ قال مقاتل وذلك أن أناسا من أهل اليمن كانوا يخرجون بغير زاد ويصيبون من أهل الطريق ظلما فنزلت في شأنهم ﴿ وتزودوا [فإن خير الزاد التقوى ﴾ ]. وقال بعضهم: تزودوا لسفر الدنيا بالطعام وتزودوا لسفر الآخرة بالتقوى فإن خير الزاد التقوى. ويقال خير الزاد التقوى هو التوكل على الله وأن لا يؤذي أحدا لأجل الزاد والطعام. ثم قال: ﴿ واتقون يا أولي الألبب ﴾ يعني اطيعوني يا ذوي [الألباب] أي العقول فيما أمرتكم به. ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ﴾ وذلك أنهم كانوا إذا حجوا كفوا عن التجارة وطلب المعيشة في الحج فلم يشتروا ولم يبيعوا حتى تمضي أيام حجهم فجعل الله تعالى لهم رخصة في ذلك فقال تعالى ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ﴾ (أي لا مأثم عليكم) أن تطلبوا رزقا من ربكم من التجارة في أيام الحج. وقال مقاتل: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: عن سوق عكاظ وسوق منى وذي المجاز في الجاهلية كنا نقوم في [التجارة] قبل الحج وبعد الحج فهل يصلح لنا البيع والشراء في أيام حجنا؟ فنزلت هذه الآية. ومعنى آخر: ما روي عن عبد الله بن عمر: أن رجلا سأله فقال: إني رجل أكري الإبل إلى مكة أفيجزيني عن حجي: فقال أولست تلبي؟ وتقف بعرفات وترمي الجمار؟ فقال: [بلى] فقال: [سأل رجل] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مثل ما سألتني فلم يجبه حتى نزلت هذه الآية: ﴿ ليس عليكم جناح [أن تبتغوا فضلا من ربكم ﴾ ] وروي عن ابن عباس نحوه.
ثم قال تعالى: ﴿ فإذا أفضتم من عرفت ﴾ يقول إذا رجعتم من عرفات بعد غروب الشمس ﴿ فاذكروا الله عند المشعر الحرام ﴾ يعني بالمزدلفة. وقال عطاء: إنما سميت عرفات لأن جبريل كان يعلم إبراهيم - عليه السلام - أمور المناسك فكان يقول له: عرفت فيقول عرفت فسميت عرفات. وقال ابن عباس: إنما سميت منى لأن جبريل قال لآدم عليهما السلام: تمن قال: أتمنى الجنة فسميت منى قال: وإنما سمي الجمع جمعا لأنه اجتمع فيه آدم وحواء والجمع أيضا: هو المزدلفة وهو المشعر الحرام. ثم قال: ﴿ واذكروه كما هداكم ﴾ يقول: (اشكروا الله) كما هداكم لدين الإسلام ﴿ وإن كنتم ﴾ أي وقد كنتم ﴿ من قبله لمن الضالين ﴾ عن الهدى وكانت قريش لا تخرج من الحرم إلى عرفات وكان الناس يقفون خارج الحرم من كان من أهل اليمن وغيرهم بعرفات ويفيضون منها فأمر الله تعالى قريشا أن يقفوا من حيث وقف الناس ويفيضوا من حيث أفاض الناس فقال تعالى: ﴿ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله ﴾ تعالى لذنوبكم في الموقف ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ متجاوز عن ذنوبكم. فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخرج بالناس جميعا إلى عرفات فيقف بها. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: