أربع مرات.
وصل الأمير فيصل إلى بيروت في ضحوة يوم الأربعاء على بارجة فرنسية
يصحبه ضابط فرنسي يلازمه، واستقبله على رصيف مرفأ بيروت رئيس أركان
الحرب للجنرال غورو المندوب السامي لفرنسة مع ضباطه وفصيلة من العسكر
الفرنسي والجزائري، وقابلته وفود الوطنيين يتقدمهم أعضاء لجنة الاحتفال
البيروتية، وقابلته أنا مع وفد طرابلس في دار الاعتماد العربية وكان يشغلها من
قبل حكومة سورية العربية الضابط الشهير يوسف بك العظمة الذي استحكمت المودة
بيني وبينه مدة مكثي في بيروت.
وعدت إلى دار الاعتماد في اليوم التالي (الخميس) لأجل أن أقابل الأمير
مقابلة خاصة فعلمت أنه ذهب إلى زيارة الجنرال غورو، فقلت ليوسف بك العظمة
رحمه الله: إنني لست من الرجال الذين يرغبون في التشريفات والظهور وإنما أنا
رجل بحث وعلم وعمل فأرجو أن تأخذ لي موعدا من الأمير بلقاء خاص، فعهد إلي
بأن أعود الساعة الحادية عشرة فعدت وعاد فقابل بعض الوفود المنتظرة ثم خلوت
به فأثنى أجمل الثناء، وأظهر الارتياح التام لهذا اللقاء الذي قال: إنه كان يتمناه،
وكاشفني بما جاء لأجله وبأنه سيعود إلى أوربة عاجلا بالتفويض الذي يحمله من
البلاد ودعاني إلى الغداء معه فتغديت وتغدى معنا الضابطان الفرنسيان (كوس
وتولا) اللذان لم يفارقاه مدة إقامته في الشام أميرا فملكا مبايعا إلى أن فارقها بعد
احتلال غورو لدمشق.
ودارت بيني وبينه محاورة طويلة فيما جاء من أوربة لأجله، ثم ذهب إلى
دمشق على أن يعود إلى بيروت بعد أسبوع كما قدر.
ثم عاد إلى بيروت في 13 من جمادى الأولى - 3 من فبراير (شباط)
فزرته في اليوم التالي وخلوت به ساعة كاملة قبل الظهر، وكان المرحوم يوسف
بك العظمة بلغه عني ما ذكرته من قبل، وهو أنني لم أجئ لما يجيء له غيري
من المظاهر وما يسمونه مقابلات التشريف بل للبحث في المصلحة العربية. وكان
أول ما بدأته به أنني أريد معرفة خطته في العمل لهذه الأمة، فإذا اتفقنا في الرأي
عاونته واشتغلت معه على قدر ضعفي، وإلا كنت مضطرا إلى مقاومته، وإن لم
أكن أميرا فإنني ناهضت السياسة الحميدية ولم أكن أميرا، ثم ناهضت السياسة
الاتحادية التركية وهي أدهى وأمر، وأشد وأضر، ولم أكن أميرا، فشكر لي هذه
الصراحة ودعاني إلى الذهاب معه إلى دمشق، فاعتذرت بأن لي عملا خاصا في
بيروت وطرابلس لا بد لي من إتمامه. ووعدته بأن ألحق به بعده، فألح علي بأن
أذهب معه بحجة أن خدمة الوطن مقدمة على كل شيء، فقلت لا تنافي ولا تعارض
بين الأمرين، وإنني سألحق بك بعد يوم أو يومين: قال أتعدني بذلك؟ قلت: نعم.
ثم دار الحديث بيننا بالحرية التامة، وكان ذا شغب فدعاني إلى العشاء معه
في ذلك اليوم لأجل أن نخلو ونتم الحديث في الليل، فأجبت، وخلوت به إلى
الساعة 10 والدقيقة 10 مساء، وكان مما قاله أن أخاه عبد الله لم يخبره بما دار
بينه وبيني في قصر عابدين بمصر لأنه كان يعلم أن سياسته تركية بمعنى أنه كان
يرى أن الأولى للعرب دوام الاتفاق مع الترك والارتباط بهم، ولكنه تحول عن هذه
السياسة لما جاء الشام قبل الحرب وبعدها ورأى قومه كلهم على خلاف هذا الرأي
على حد قول الشاعر:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد
ثم قال: إن عبد الله كان يريد تنفيذ مسألة اتفاق أمراء الجزيرة الذي اقترحته
عليه (أي بمقتضى قاعدة جمعية الجماعة العربية) حتى مع ابن السعود عدوهم
ولكنه هو كان معارضا له في ذلك؛ لاعتقاده أن ابن السعود يريد الاستيلاء على
الحجاز، لا يصده عن ذلك عهد ولا اتفاق، وذكر ملخص عداوة ابن السعود لشرفاء
مكة: فقلت له: لو أطلعكم الشريف عبد الله على تفصيل اقتراحي لاكتفى معارضتكم،
فإنه لا يكل تنفيذ الاتفاق الحلفي إلى وفاء كل أمير واختياره بل يجعله عاجزا عن
الغدر.