تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بزعم أنه كان عدوا للإنكليز، وأن نادر خان كان مسالما لهم، وهذا الزعم يدل على

جهلهم بالسياسة وأنهم لا يزالون فيها كالأطفال أو العوام، فالدولة الأفغانية في طور

تأسيس وتكوين فالسياسة المثلى فيها مسالمة جميع الدول، ولا سيما جارتيها

القويتين الإنكليز في الهند وروسية.

علق قلبي حب الشعب الأفغاني منذ أشرق عليه نور الحكمة والإصلاح من

تلك الشمس العلوية المحمدية التي بزغت من بلاده بظهور السيد جمال الدين فيها،

ثم علق قلبي حب الملك محمد نادر خان بما وفقه الله تعالى له من تطهير تلك البلاد

من فساد أمان الله خان، وغذاه وزيره المفوض بمصر محمد صادق المجددي الذي

هو خير مثل له في الجمع بين الدين والعلم والعمل الصالح للدين والدنيا، وإن ما

حدث أخيرا في تركستان الشرقية من تأسيس دولة إسلامية فيها قد أنبت في أرض

ذلك الحب الخصبة أملا قويا باتحادها بدولة الأفغان، وقرب تجديد مجد الإسلام في

الشرق الأوسط والأقصى وبلغ من قوة أملي بسياسة هذا الملك أن كاشفت وزيره

الصادق المفوض هنا بعزمي على كتابة تقرير في إصلاح دولته هنا ليرفعه إلى

جلالته وضعت النقط الأساسية له، ولم نلبث أن فجأنا البرق بما فجعنا من نبأ

اغتياله ونشرناه في الجزء السادس على أن نعود إلى الكلام في هذه الفجيعة

والمسألة الأفغانية.

وقد رأيت أن أنشر هنا مقالة لعالم هندي كبير وأستاذ شهير نشرت في جريدة

التيمس الإنكليزية، وترجمت بالعربية لجريدة السياسة المصرية وهذه ترجمتها:

تراث نادر شاه

عن التيمس للسير سيد مسعود نائب عميد جامعة عليكرة الإسلامية بالهند

إن المأساة التي وقعت في كابل يوم 8 نوفمبر الماضي (ت 2 سنة 1933)

قد لفت البلاد برمتها في ثياب الحداد؛ لأن البلاد لم تفقد بقتل الملك نادر شاه ملكا

صالحا فحسب، بل فقدت أيضا أكثر زعمائها استحقاقا لثقتها، ولقد كانت لي مقابلة

مع الملك الراحل في كابل قبيل وفاته ببضعة أيام، فاعتبرته -إذ ذاك- أعظم الحكام

المسلمين في العالم الإسلامي اليوم.

ولقد تداول على أفغانستان ملوك كثيرون كان بعضهم مرهوبا، وكان بعضهم

مرغوبا ومحترما، ولكنني أرتاب في أن يكون أحدهم اجتمع له حب الكافة

واحترامهم كما اجتمعا للملك نادر شاه؛ إذ إنه ظهر على المرسح في وقت كانت تئن

فيه البلاد تحت طغيان المغتصب باجي سقا، وكان يتهددها خطر تفكك الوحدة

السياسية التي يتوقف عليها وجودها كمملكة مستقلة، فاستطاع أن يضع حدا

لمنافسات القبائل فيما بينها، وسارع إلى جمع جيش غير منظم ولا تام الأهبة أنزل

به المغتصب عن العرش، وهيأ ذمته أن تستعيد كرامتها التي فقدتها لما رأت عرش

أفغانستان يجلس عليه جاهل متعصب من أصل وضيع.

ولعل المشاق التي احتملها الملك نادر شاه خلال حملته على باجي سقا في

وقت كان فيه هو نفسه ضعيفا واهن القوى، هذه المشاهد قد ملكت ألباب مواطنيه

المقاتلين، كذلك رفضه قبول العرش الذي عرض عليه ثلاث مرات جعل القوم

يتبينون أنهم اهتدوا أخيرا إلى رجل كانت رغبته الوحيدة أن يكون نافعا لبلاده القلقة.

وكان الملك نادر شاه خلال الحملة كلما رجاه شيوخ القبائل أو أتباعه الآخرون

في أن يعرب عن نفسه صراحة يجيب إجابة لا تتغير، وهو أن واجبهم الضروري

أمام الأمة أن يطردوا الغاصب ثم ينظروا في أن يولوا عليهم ملكا من تختاره

الجمعية الوطنية بالإجماع. على أن الهزائم التي أوقعها به جيش باجي سقا ما

جعلته يوما يفقد أمله؛ لأنه كان رجلا مؤمنا بالله يعلم أنه يقاتل في سبيل قضية هي

حق فهو لهذا سيفوز في النهاية.

وفي أثناء السنوات الأربع التي تولى فيها الملك في كابل وفق إلى إعادة

السلام والوحدة في إرجاء البلاد. وأذكر أنني حضرت حفلة كبيرة وقف يخطب فيها

أحد الزعماء فصرح بأن أفغانستان قد أصبحت الآن بفضل ملكها الكبير القلب بلادا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢٤٤