تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وللشعوب التي تأخذ بها من العقائد الصحيحة والتعاليم العالية، من حيث جمع الكلمة

ووحدة الأمة، ونرد هذا الإيراد بقولنا: إن العقائد الحق والتعاليم الصحيحة لا يقوم

بها إلا أصحاب العقول النيرة والأفكار المستقلة الذي آمنوا بها عن حجة وإذعان،

وما تنازع هؤلاء مع المخالفين لهم إلا وكان لهم الرجحان، سواء أكان التنازع في

الدين أو في الحكم والسلطان، وبهذا ظهر الإسلام على جميع الأديان.

وهذا الفريق - فريق العقل واستقلال الفكر - قل في جميع فرق المسلمين ببناء

التعليم فيهم على أساس التقليد الذي يحتم على طالب العلم أن يقبل كل ما يقرره

شيوخه بعنوان مذهبه، وإن لم يكن منه، سواء أعقله أم لم يعقله، فإن نازعه فيه

حكم بكفره، ولهذا صار أكثر المسلمين يقبلون البدع والخرافات مهما تكن المذاهب

التي ينتمون إليها، إذ ليست المذاهب فيهم إلا عناوين لعصبيات لها رؤساء يطاعون

باسمها، وأكثرهم يجهلون أصولها وقواعدها، ومن تلقى شيئا منها؛ فإنما هو لفظ

ينقله ولا يعقله، ولا يرجع إليه في فروع علمه ولا عمله، ومن كان غير مستقل الفهم

والعقل في عقيدته، لا يكون مستقل الإرادة في عمله، ومن نتائج هذا الخضوع أن

صاروا خانعين للمستبدين وظهراء للظالمين، وإن كانوا بملتهم كافرين.

وأساس الإصلاح الديني والسياسي الذي قام به وعليه الإسلام دينا ودولة،

وقامت عليه الدول القوية هو الاستقلال بنوعيه، وهو الذي دعا إليه الحكيمان

المجددان: الأفغاني والمصري، وقد بينه الأستاذ الإمام في رسالة التوحيد، لهذا كان

أنصارهما من رجال الدين هم الأقلين وخصومهما منهم هم الأكثرين، وكان أشد ما

أنكروه عليهما: القول بوجوب الاجتهاد، وتحريم التقليد. ويقابله أن كان أكثر

المعجبين بهما والذين قدروهما قدرهما، هم الذين نبغوا في المدارس المدنية العالية

التي يسير فيها التعليم على منهاج استقلال الفكر، وكذا من تلقى من بعض أهلها

وعاشرهم على استعداد فيه فصار مستقلا، ثلة من المدنيين وقليل من المعممين.

ولو كان ما دعا إليه الحكيمان هو التجديد السياسي والمدني دون الديني لألف

له هؤلاء الأنصار حزبا كبيرا منظما، كما فعل سعد باشا من تلاميذهما بعدهما.

ولو دعا الأستاذ الإمام إلى نهضة دينية تقليدية صوفية لوجد من الأزهريين

وأهل الطرق من يؤسس له عصبية قوية يتبعها الألوف وألوف الألوف في زمن

قريب، ولا سيما إذا أباح لنفسه أن يظهر لهم تعبده الخفي، ومعرفته بأسرار

التصوف، وغير ذلك من خصائصه الروحانية، التي كان يعتقد وجوب كتمانها

لأنها غير طبيعية، فإظهارها للمقيدين بالسنة الطبيعية فتنة لهم، وفيها كثير مما يعد

من الكرامات عندهم، وقد نقلت هذا عنه في بيان رأيه في التصوف والصوفية.

بيد أن كلا منهما حكيم عاقل، وأن السيد جمال الدين رجل دين، وإن غلبت

عليه السياسة، والشيخ محمد عبده رجل سياسة وإن غلب عليه الدين، بل هو

أقرب من أستاذه إلى الموقف الوسط بين رجال الدين والدنيا من المرتقين فيهما،

فقد كان في الأزهر لا يعلو قوله قول، ولا يغلب رأيه رأي. وكذلك كان بين

الراقين من رجال الدنيا كالوزراء والقضاة والمحامين والأدباء والمنشئين، بل كان

كذلك بين علماء الإفرنج وساستهم، وترى نموذجا من شهادات الجميع له في هذا

التاريخ.

-----------------

<span class="footnote">

(1) تداعى - بفتح الدال - أصله تتداعى، أي يدعو بعضها بعضا، والأكلة - بفتحتين - جمع آكل.

(2) رواه أبو داود والبيهقي في دلائل النبوة من حديث ثوبان رضي الله عنه.

(3) المراد بالشيخ القصير: أحمد الرفاعي، القصير القامة، وكان أصلب الأزهريين جمودا، كما كان الشيخ الطويل أشدهم استقلالا.

(4) هما أخواه اللذان يشتغلان بالزراعة.

(5) كنت كتبت العبارة من مذكرة له، وفقدت المكتوب وبقي المحفوظ.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٨