26.146-150
قوله تعالى: ﴿ أتتركون في ما هاهنآ آمنين ﴾؛ أي قال لهم صالح: أتتركون في الدنيا آمنين من الموت والعذاب تأكلون وتشربون وتمتعون ولا تكلفون. وقوله تعالى: ﴿ في جنات وعيون ﴾؛ أي أتظنون أنكم تتركون في بساتين ومياه ظاهرة، ﴿ وزروع ﴾ ، وحروث، ﴿ ونخل طلعها هضيم ﴾؛ أي ثمرها نضيج مدرك ناعم، والنضيج: هو الرخو اللين اللطيف البالغ، ﴿ وتنحتون من الجبال ﴾؛ أي تنقبون في الجبال ﴿ بيوتا فارهين ﴾؛ أي أشرين بطرين.
وقرأ ابن عامر والكوفيون: (فارهين) بالألف أي حاذقين بنحتها، مأخوذ من قولهم: فره الرجل فراهة فهو فاره، ويقال: الفره والفاره بمعنى واحد. وقيل: إن الهاء من قوله (فرهين) بدل من إلحاق الفرح في كلام العرب: الأشر والبطر، ومنه قوله تعالى:
إن الله لا يحب الفرحين
[القصص: 76]، ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾.
26.151-152
قوله تعالى: ﴿ ولا تطيعوا أمر المسرفين ﴾؛ أي أمر رؤسائكم وكبرائكم الذين يفرطون في الشرك والمعاصي، ﴿ الذين يفسدون في الأرض ﴾؛ قال مقاتل: (هم التسعة الذين عقروا الناقة، وهم الذين يفسدون في الأرض بالمعاصي) ﴿ ولا يصلحون ﴾؛ أي ولا يطيعون الله فيما أمرهم.
26.153-155
قوله تعالى: ﴿ قالوا إنمآ أنت من المسحرين * مآ أنت إلا بشر مثلنا ﴾؛ أي قال له قومه: إنما أنت ممن سحر مرة بعد مرة، فلا نؤمن بك. ويقال: المسحر هو المعلل بالطعام والشراب، والسحر مجرى الطعام، يقال: انتفخ سحره؛ أي رئته والمعنى: لست بملك، إنما أنت بشر مثلنا لا تفضلنا في شيء، لست بملك ولا رسول، ﴿ فأت بآية إن كنت من الصادقين ﴾؛ إنك رسول الله إلينا.
قال ابن عباس: (سألوه أن يخرج لهم ناقة حمراء عشراء من صخرة ملساء، فتضع ونحن ننظر، وترد هذا الماء فتشرب. فخرج بهم إلى تلك الصخرة التي ذكروها، ثم دعا الله تعالى فتمخضت تلك الصخرة كما تتمخض المرأة الحامل عند الولادة، فخرجت منها ناقة على الصفة التي سألوها لا نظير لها في النوق، وكان يسد جنباها ما بين الجبلين من عظمها).
ف ﴿ قال ﴾ لهم صالح: ﴿ هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ﴾؛ أي اجعلوا الشرب بينها وبينكم مناوبة، لها نوبة يوم لا تحضرون معها، ولكم نوبة يوم لا تحضر معكم. قال قتادة: (فكان يوم شربها تشرب ماءهم كله أول النهار ولا يبقى لهم منه شيء، وتسقيهم اللبن حتى تملأ جميع آنيتهم، فإذا كان يوم شربهم كان الماء لهم ولمواشيهم لا تزاحمهم الناقة فيه). والشرب في اللغة: هو النصيب من الماء، والشرب بضم الشين المصدر، والشرب بفتح الشين جماعة الشراب.