تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22.51

قوله تعالى: ﴿ والذين سعوا في آياتنا معاجزين ﴾؛ أي والذين أسرعوا في تكذيب آياتنا، وإبطال الدين مبالغين لله ظانين أن يعودنا ويفوتنا بقولهم أن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشور، ﴿ أولئك أصحاب الجحيم ﴾؛ قال قتادة: (ظنوا بجهلهم أنهم يعجزون الله فلا يقدر عليهم، وهيهات). وهذا كقوله

أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا

[العنكبوت: 4]، ومن قرأ (معجزين) فمعناه: أنهم كانوا يعجزون مع من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم أي ينسبونهم إلى العجز.

22.52

وقوله تعالى: ﴿ ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته ﴾؛ قال ابن عباس وابن جبير والضحاك: (وذلك أن الشيطان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة جبريل وهو قائم يصلي عند الكعبة يقرأ سورة

والنجم

[النجم: 1] حتى اذا انتهى إلى قوله تعالى

أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى

[النجم: 19-20] ألقى الشيطان على لسانه (تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى)، فلما سمع المشركون أعجبهم ذلك، فلما انتهى إلى آخر السورة سجد، وسجد معه المسلمون والمشركون إلا الوليد بن المغيرة، فإنه لم يقدر على السجود لكبره، فقال: ائتوني بالتراب، فأتوه بالتراب فوضعه على كفه، ثم سجد على كفه، فلما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له ذلك، فقال جبريل: ما جئتك بهذه ولا أنزله الله تعالى، فقال: أتاني شيء في مثل صورتك فألقاه علي).

وهذا حديث أنكر أهل العلم إجراءه على ظاهره، وقالوا: كيف يجوز أن يجعل الله للشيطان على رسوله هذا السلطان، أو يختار لرسالته من لا يميز بين وحي الله ووساوس الشيطان؟! ومن المعلوم أن من نسب النبي صلى الله عليه وسلم به إلى ما يرجع إلى تعظيم الأصنام فقد كفر، إلا أنه يحتمل أن يكون الشيطان ألقى في تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، وخيل إلى من سمع تلاوته من الذين كانوا بالبعد منه أنه جرى على لسانه، وإنما هو من لسان الشيطان، وكان ذلك فتنة للتابعين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم معصوما من أن يجري على لسانه ما لم ينزله الله. وقد يذكر التمني ويراد به القراءة كما قال الشاعر:

تمنى كتاب الله أول ليله

وآخره لاقي حمام المقادر

وقال جماعة من المفسرين: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمان قومه، وتمنى في نفسه من الله أن يأتيه ما يقارب بينه وبين قومه، فجلس ذات مرة بهم في مجلس كثير أهله، وأحب يومئذ أن يأتيه من الله شيء فقرأ عليهم سورة النجم، فلما بلغ

أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى

[النجم: 19-20] ألقى الشيطان على لسانه (تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهم ترتجى) فلما سمعت قريش ذلك فرحوا وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، ومضى النبي صلى الله عليه وسلم في قراءته، فلما ختم السورة سجد في آخرها وسجد معه المسلمون والمشركون إلا الوليد بن المغيرة وسعيد بن العاص فإنهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها إلى جبهتهما وسجدا عليها؛ لأنهما كانا شيخين كبيرين لم يستطيعا أن يسجدا.

وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا وقالوا: قد عرفنا أن آلهتنا تشفع لنا، فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا محمد لقد تلوت قومك ما لم آتك به عن الله عز وجل، فاشتد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وحزن حزنا شديدا وخاف من الله خوفا كثيرا، فأنزل الله هذه الآية تطيب نفس محمد صلى الله عليه وسلم وتخبره بأن الأنبياء قبله كانوا مثله، ولم يبعث نبيا إلا تمنى أن يؤمن قومه، ولم يتمن ذلك نبي إلا ألقى الشيطان عليه ما يرضي قومه. فلما نزلت هذه الآية قالت قريش: ندم محمد على ما ذكره من منزلة آلهتنا عند الله فغير ذلك وجاء بغيره.

التفسير الكبير · الصفحة ١٢٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٢٦٥