تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22.26

قوله تعالى: ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا ﴾؛ معناه: واذكروا إذ جعلنا البيت مثوى لإبراهيم ومنزلا. قال الحسن: (بوأناه نزلناه)، وقال مقاتل: (دللناه عليه)، وقيل: هيأنا، نظيره

تبوىء المؤمنين

[آل عمران: 121]،

وبوأكم في الأرض

[الأعراف: 74]،

لنبوئنهم من الجنة غرفا

[العنكبوت: 58]، وقيل: معنى (بوأنا) أي بينا له مكان البيت.

قال السدي: (لما أمر الله تعالى ببناء البيت لم يدر إبراهيم أين يبني، فبعث الله إليه ريحا، فكشفت له ما حول الكعبة عن الأساس الأول الذي كان البيت عليه قبل أن يرفع أيام الطوفان)، وقال الكلبي: (فبعث الله إليه سحابة على قدر البيت فيها رأس يتكلم فقامت بحيال البيت، وقالت: يا إبراهيم إبن على قدري)، قوله تعالى: ﴿ أن لا تشرك بي شيئا ﴾ أي قلنا له وأوحينا إليه أن لا تعبد معي غيري.

قوله تعالى: ﴿ وطهر بيتي للطآئفين والقآئمين والركع السجود ﴾ أي طهر من ذبائح المشركين، ومما كانوا يطرحون حوله من الدم والفرث، وقيل: طهره من عبادة الأوثان، ومن دخول المشركين فيه. قوله تعالى: ﴿ للطآئفين ﴾ الذين يطوفون حوله، وأما القائمون الركع السجود فهم المصلون.

22.27

قوله تعالى: ﴿ وأذن في الناس بالحج ﴾؛ أي وعهدنا إلى إبراهيم أيضا أن أذن في الناس بالحج يأتوك رجالا، فقال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ فقال: عليك الأذان وعلي البلاغ، فصعد أبا قبيس، ونادى في الناس: ألا إن ربكم قد بنى بيتا، وأمركم أن تحجوه فحجوه، فاسمع الله نداءه جميع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وما بين المشرق والمغرب، والبر والبحر، فلباه كل حجر ومدر، وكل مؤمن ومؤمنة في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، قالوا: لبيك اللهم لبيك، فجعل الله التلبية شعارا للحج، فكل من حج فهو ممن أجاب إبراهيم عليه السلام.

قوله تعالى: ﴿ يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ﴾؛ معناه: يأتوك مشاة على أرجلهم وعلى كل جمل مهزول أضمره السفر، ورجال جمع راجل، نحو صاحب وأصحاب. وعن ابن عباس أنه قال: (ما ندمت على شيء فاتني إلا أني لم أحج راجلا)، وقد حج الحسن بن علي رضي الله عنهما خمسا وعشرين حجة ماشيا من المدينة إلى مكة، وأن النجائب لتقاد معه.

وعن رسول الله صلى عليه وسلم أنه قال للحجاج:

" " للراكب كل خطوة تخطوها راحلته سبعين حسنة، وللحاج الماشي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة من حسنات الحرم " قيل: وما حسنات الحرم؟ قال: " الحسنة بمائة ألف " ".

قوله تعالى: ﴿ يأتين من كل فج عميق ﴾؛ أي من بلدان شتى، من كل طريق بعيد، يقال عميقة إذا كانت بعيدة القرار. وإنما قال (يأتين)؛ لأنه في معنى الجمع، وقيل: معناه: وعلى ناقة ضامرة.

وعن بشر بن محمد قال: رأيت في الطواف كهلا قد أجهدته العبادة، واصفر لونه، وبيده عصا وهو يطوف معتمدا عليها، فتقدمت إليه لأسأله، فقال لي: من أين أنت؟ فقلت: من خراسان، قال: من أي ناحية هي؟ قلت: من نواحي المشرق، فقال لي: في كم تقطعون هذا الطريق؟ قلت: شهرين أو ثلاثة، قال: أفلا تحجون في كل عام وأنتم جيران البيت؟ قلت: وأنتم كم بينكم وبين هذا البيت؟ فقال: مسيرة خمس سنين، فقلت: والله إن هذا الجهد لبين، والطاعة الجميلة والمحبة الصادقة، فضحك في وجهي وأنشأ يقول:

زر من هويت وإن شاطت بك الدار

وحال من زرته حجب وأستار

لا يمنعنك بعدا من زيارته

إن المحب لمن يهواه زوار

التفسير الكبير · الصفحة ١٢٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٢٥٣