20.29-31
قوله تعالى: ﴿ واجعل لي وزيرا من أهلي ﴾؛ الوزير الذي يؤازر الأمير فيحمل عنه بعض ما يحمل، فيكون المعنى: واجعل لي عونا وظهرا من أهلي، وقال الزجاج: (اشتقاقه من الوزر وهو الجبل الذي يعتصم به لينجو من الهلكة).
ثم بين الوزير من هو، فقال: ﴿ هارون أخي ﴾ ، قيل: هارون مفعول (اجعل)، تقديره: اجعل هارون أخي وزيرا لي، ﴿ اشدد به أزري ﴾؛ أي أقوي به ظهري، والأزر الظهر، لنتعاون على الأمر الذي أمرتنا به، يقال: آزرت فلانا إذا عاونته.
20.32
قوله تعالى: ﴿ وأشركه في أمري ﴾ ، أي اجعله شريكا لي في تبليغ هذه الرسالة. ومن قرأ (أشدد) بفتح الألف و(أشركه) بضم الألف رد الفعل إلى موسى عليه السلام.
20.33-35
قوله تعالى: ﴿ كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا ﴾؛ أي كي نصلي لك، وقيل: كي ننزهك كثيرا، ونذكرك بالحمد والثناء كثيرا بما أوليتنا من نعمتك، ومننت علينا من تحمل رسالتك. قوله تعالى: ﴿ إنك كنت بنا بصيرا ﴾؛ أي عالما.
20.36-40
قوله تعالى: ﴿ قال قد أوتيت سؤلك يموسى ﴾؛ أي أوتيت ما سألت يا موسى، وأوتيت مرادك. قوله تعالى: ﴿ ولقد مننا عليك مرة أخرى ﴾؛ أي أنعمنا عليك كرة أخرى قبل هذه المرة.
ثم بين تلك النعمة، فقال تعالى: ﴿ إذ أوحينآ إلى أمك ﴾؛ أي ألهمناها حين عنت بأمرك، وما كان فيه سبب نجاتك من القتل، ﴿ ما يوحى ﴾؛ أي ما يلهم، ثم فسر ذلك الإلهام فقال: ﴿ أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم ﴾ وكان السبب في ذلك أن فرعون كان يقتل غلمان بني إسرائيل على ما تقدم ذكره، ثم خشي أن يفنى نسل بني إسرائيل، فكان يقتل بعد ذلك في سنة ولا يقتل في سنة، فولد موسى في السنة التي يقتل فيها الغلمان، فنجاه الله من القتل بأن ألهم أمه أن جعلته في التابوت، وأطرح التابوت في اليم وهو البحر، وأراد به النيل ومعنى قوله تعالى: ﴿ أن اقذفيه ﴾ أي اجعليه.
قوله تعالى: ﴿ فليلقه اليم بالساحل ﴾؛ لفظه لفظ الأمر وهو خبر (بتقدير) حتى يلقيه اليم بالساحل. قوله تعالى: ﴿ يأخذه عدو لي وعدو له ﴾؛ وأراد به فرعون.
قوله تعالى: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾؛ وذلك أن أم موسى لما اتخذت لموسى تابوتا جعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى وألقته في النيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينما هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية، إذا بالتابوت يجيء بالماء.
فلما رأى ذلك أمر الجواري والغلمان بإخراجه فأخرجوه، فإذا هو صبي من أحسن الناس وجها، فلما رآه فرعون أحبه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله تعالى: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ قال عطية العوفي: (وجعل عليه مسحة من جمال فأحبه كل من رآه).
وقال عطاء عن ابن عباس: (معنى قوله تعالى ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ أي لا يلقاك أحد إلا أحبك من مسلم وكافر)، وقال عكرمة: (ألقيت عليك محبة وملاحة وحسنا)، فحين أبصرت آسية وجهه قالت لفرعون: قرة عين لي ولك. وقال أبو عبيدة: (معناه: جعلت لك محبة عندي وعند غيري، أحبك فرعون، فسلمت من شره، وأحبتك امرأته فتبنتك). قوله تعالى: ﴿ ولتصنع على عيني ﴾؛ أي ولتربى وتغذى بمرأى أراك على ما أريد بك من الرفاهية في غذائك. وقال قتادة: (معناه: لتغذى على محبتي).
وأراد في قوله تعالى: ﴿ إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله ﴾؛ وذلك أن موسى جعل يبكي ويطلب اللبن، فأمر فرعون حتى أتى بالنساء اللواتي حول فرعون ليرضعن موسى، فلم يقبل ثدي واحدة منهن، وكانت أخت موسى متبعة للتابوت ماشية خلفه.
فلما حمل التابوت إلى فرعون، ذهبت هي معه، فقالت: هل أدلكم على من يكفله؟ أي يرضعه ويضمه ويحصنه؟ فقالوا: من هي؟ قالت: امرأة قد قتل ولدها، وهي تحب أن تجد صبيا ترضعه.
فأذن لها فرعون في إحضارها، فانطلقت وأتت بأم موسى، فأعطته الثدي فأخذه موسى، وفرح به فرعون، وجعل لها الأجرة على الإرضاع، وحملته أمه إلى دارها، فذلك قوله تعالى: ﴿ فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن ﴾؛ أي رددناك إليها؛ كي تطيب نفسها، ولا تحزن على ابنها.