تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما مضى على ذلك قرون وأزمان جاء راعي غنم إلى الكهف بغنمه فأدركه المطر عند الكهف، ففتح الكهف ليدخل غنمه فيه من المطر فوجدهم هناك، فرد الله عليهم أرواحهم، فجلسوا فرحين مستبشرين، وظنوا أنهم أصبحوا من ليلتهم، فقاموا إلى الصلاة فصلوا، لا ترى في ألوانهم ولا في أجسامهم شيء يكرهونه، وهم يحسبون أن دقيانوس في طلبهم.

ثم قالوا ليمليخا: ما الذي قال الناس في شأننا بالأمس؟ فقال: سمعت أنهم يلتمسونكم، فقال مكسلمينا: يا إخوتاه؛ إعلموا أنكم ملاقو الله فلا تكفروه بعد إيمانكم إذا طلبكم غدا، فقالوا ليمليخا: إذهب إلى المدينة استمع لنا الأخبار، وما الذي يذكره الناس فينا عند دقيانوس.

فدخل المدينة مستخفيا يصد عن الطريق؛ لئلا يراه من الناس أحد يعرفه فيعلم دقيانوس، ولم يعلم يمليخا أن دقيانوس وقومه قد هلكوا منذ ثلاثمائة سنة، فرأى يمليخا على باب المدينة علامة أهل الإيمان فعجب، وجعل ينظر يمينا وشمالا مستخفيا، ثم ذهب إلى الباب الثاني فرأى عليه كذلك، فخيل إليه أن المدينة ليست بالتي كان يعرف.

ثم رأى أناسا كثيرا يتحدثون لم يكن يراهم قبل ذلك، فخيل إليه أنه حيران، وجعل يقول لعل هذه غشية، ثم سمع الناس يتحدثون بحديث أهل الإسلام، ويحلفون بالله، ويذكرون عيسى بن مريم، فقال: لعل هذه مدينة أخرى، فقام كالحيران، فرآه إنسان فسأله ما هذه المدينة؟ فقال: هذه أفسوس، فقال: ذاهب العقل.

ثم دخل السوق ليشتري طعاما فأخرج الورق الذي معه فأعطاها رجلا وقال: بعني بهذه طعاما، فعجب الرجل من نقشها وضربها، ثم أعطاها رجلا من أصحابه لينظر إليها، ثم جعلوا يتطارحونها بينهم من رجل إلى رجل، فقالوا: هذا أصاب كنزا من كنوز الأولين، فإما أن تشاركنا فيه، ونخفي أمرك وإلا سلمناك إلى السلطان يقتلك؟

فقال في نفسه: قد وقعت في الذي كنت احذر منه، فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم، وفزع حتى أنه ما أطاق يخبرهم بشيء، فلما رأوه لا يتكلم أشاعوا خبره، وجعلوا يقودونه في سكك المدينة وهم يقولون: هذا رجل وجد كنزا، فاجتمع عليه أهل المدينة فجعلوا ينظرون إليه ويتعجبون، ويقولون: ما هذا الرجل من أهل المدينة، وما رأيناه فيها قط ولا نعرفه؟ ولو قال لهم: أنا من هذه المدينة لم يصدقوه، وكان متيقنا أن أباه وإخوته في المدينة، وأنه يسألونه من جملة الناس إذا سمعوا بخبره.

ثم إنهم انطلقوا به إلى رئيس المدينة ومدبري أمرها وهما رجلان صالحان، اسم أحدهما آرنوس والآخر أسطوس، وظن يمليخا حين مضوا به أنهم يمضون به إلى دقيانوس، فرفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إله السماء والأرض أفرغ اليوم علي صبرا، وأولج معي روحا تؤيدني به عند هذا الجبار.

فلما انتهوا به إلى الرجلين الصالحين سكن خوفه، فأخذ الرجلان الورق، فنظرا إليه وعجبا منه، وقالا: يا فتى أين الكنز الذي وجدته؟ هذا الورق يشهد عليك أنك وجدت كنزا، فقال يمليخا: والله ما وجدت كنزا، ولكن هذا ورق آبائي، ونقش هذه المدينة وضربها، ولكن لا أدري ما شأني ولا أدري ما أقول لكم.

فقال أحدهما: ممن أنت؟ فقال: أما أنا فكنت أرى أني من أهل هذه المدينة، فقال له: من أبوك؟ ومن يعرفك بها؟ فأتاهم باسم لأبيه فلم يعرفوه، فقال له أحدهما: أنت رجل كذاب لا تخبر بالحق، فلم يدر يمليخا ما يقول، فقال رجل: هذا مجنون، وقال آخر: إنه ليس بمجنون يجنن نفسه حتى تطلقوه، ونظر اليه آخر شزرا وقال: أتظن أنا نصدقك ونطلقك؟ فإن هذه الورق لضربه أكثر من ثلاثمائة سنة، وأنت غلام شاب وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار.

فقال يمليخا: أتعرفون شيئا أسألكم عنه؟ قالوا: سل؛ قال: ما فعل دقيانوس، قالوا لا نعرف اليوم على وجه الأرض ملك يسمى دقيانوس، ولم يكن إلا ملك قد هلك منذ زمان طويل، وهلكت بعده قرون كثيرة، فقال يمليخا: والله لقد كنا فتية وإنه أكرهنا على عبادة الأوثان، فهربنا منه عشية أمس فنمنا، فلما انتبهنا خرجت لأشتري لأصحابي طعاما وأتجسس الأخبار، فإذا أنا كما ترون، فانطلقوا معي إلى الكهف أريكم أصحابي.

التفسير الكبير · الصفحة ١١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١١٠٠