تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18.9

قوله تعالى: ﴿ أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ﴾؛ أي لم يكونوا بأعجب، فقد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك. قال الزجاج: (أعلم الله أن قصة أهل الكهف ليست بعجيبة؛ لأن خلق السماوات والأرض وما بينهما أعجب من قصة أصحاب الكهف).

والكهف: الغار في الجبل، والرقيم: قيل: هو واد دون فلسطين، وهو الوادي الذي فيه أصحاب الكهف، وقيل: الرقيم لوح من حجارة، وقيل: من رصاص كتبوا فيه أسماء أهل الكهف وقصتهم ثم وضعوه على باب الكهف وهو على هذا التأويل بمعنى المرقوم؛ أي المكتوب، والرقيم: الخط والعلامة، والرقيم: الكتابة.

قال ابن عباس: (وذلك أن قريشا بعثوا خمسة رهط إلى اليهود يسألونهم عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لهم: إنه يزعم أنه نبي مرسل واسمه محمد، وهو فقير يتيم وبين كتفيه خاتم، وإنا نزعم أنه يتعلم من مسيلمة، فإنه يقول: أنا مرسل من عند الرحمن، ونحن لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة - يعنون مسيلمة -.

فلما أتى هؤلاء الرهط المدينة، أتوا أحبار اليهود وعلمائهم فسألوا عنه ووصفوا لهم صفته وخاتمه، قالوا: نحن نجده في التوراة كما وصفتموه، ولكن سلوه عن ثلاث خصال، فإن كان نبيا أخبركم بخصلتين، ولم يخبركم بالثالثة؟ فإنا سألنا مسيلمة عن هذه الخصال فلم يدر ما هي، وأنتم سلوه عن خبر ذي القرنين، وعن الروح، وعن أصحاب الكهف.

فرجعوا وأخبروا قريشا بذلك، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: سأخبركم غدا، ولم يقل إن شاء الله. فأبطأ عليه جبريل خمس عشرة ليلة، وشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نزل جبريل بهذه الآية

ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله

[الكهف: 23 - 24].

ثم أخبره عن أصحاب الكهف وحديث ذي القرنين وخبر أمر الروح، وحدثه أن مدينة بالروم كان فيها ملك كافر يدعو إلى عبادة الأوثان والنيران، ويقتل من خالفه، وفي المدينة شاب يدعو إلى الإسلام سرا، فتابعه فتية من أهل المدينة، ففطن بهم الملك فأخذهم، ودفعهم الى آبائهم يحفظونهم، فمروا بغلام راع، فبايعهم ومعه كلبهم حتى إذا أتوا غارا فدخلوه، وألقى الله عليهم النوم سنين عددا، والملك طالب لهم لم يقف على أمرهم، وعمي عليه خبرهم، فسدوا باب الكهف ليموتوا فيه إن كانوا هنالك.

ثم عمد رجل إلى لوح رصاص، فكتب فيه أسماءهم وأسماء آبائهم ومدينتهم، وأنهم خرجوا فرارا من دين ملكهم في شهر كذا في سنة كذا وألزقه بالسد، وكان السد في داخل الكهف، وذكر القصة إلى آخرها، فهذا اللوح الرصاص هو الرقيم.

فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم قريشا بذلك، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم قول اليهود أخبرهم بخصلتين ولم يخبرهم بالثالثة، قال كفار قريش:

سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون

[القصص: 48].

وقال محمد ابن اسحاق: (كثرت في أهل الإنجيل الخطايا، وطغت الملوك حتى عبدوا الأصنام والأوثان، وفيهم بقايا على دين المسيح بن مريم متمسكون بعبادة الله وتوحيده. وكان ممن فعل ذلك ملك من ملوكهم يقال له دقيانوس، وكان قد عبد الأصنام وذبح للطواغيت، فسار حتى دخل مدينة أهل الكهف وهي أقسوس.

فلما دخلها عظم على أهل الإيمان، واستخفوا منه وهربوا إلى كل ناحية، فأراد دقيانوس أن يجمع له أهل الإسلام، واتخذ شرطا من الكفار من أهلها وأمرهم باتباع المسلمين، وأحصرهم فجعلوا يتبعون المسلمين حتى أخذوهم ومضوا بهم الى دقيانوس، فخيرهم بين القتل وبين عبادة الأوثان، فمنهم من رغب في الحياة، ومنهم من قال: لا أعبد غير الله؛ فقتله.

فلما رأى ذلك أهل الإيمان جعلوا يصبرون للعذاب والقتل، فقتلهم وقطع لحومهم، وربطها على سور المدينة ونواحيها كلها، وعلى كل باب من أبوابها حتى عظمت المحنة على المسلمين. فلما رأى الفتية ذلك قاموا وصلوا واشتغلوا بالتسبيح والدعاء إلى الله، وكانوا من أشراف الروم، وكانوا ثمانية نفر، فبكوا وتضرعوا وجعلوا يقولون: ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا، اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة وارفعها عنهم.

التفسير الكبير · الصفحة ١٠٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٠٩٨