فبينا هم كذلك إذ دخلوا عليهم الشرط إلى مصلاهم فوجدوهم سجودا يبكون ويتضرعون إلى الله ويسألونه أن ينجيهم من دقيانوس وفتنته، فقالوا لهم: ما خلفكم من أمر الملك، انطلقوا اليه.
ثم خرجوا من عندهم الى دقيانوس وأخبروه بخبرهم، وقالوا: أنت تجمع الجمع وهؤلاء الفتية يعصون أمرك، فأرسل إليهم الشرط فأتوا بهم تفيض أعينهم من الدمع، معفورة وجوههم بالتراب، فقال دقيانوس: ما منعكم أن تشهدوا الذبح للأصنام، وتعبدوها وتجعلوا أنفسكم كغيركم، إختاروا إما تعبدوا الأصنام مثل الناس، وإما أن نقتلكم.
فقال مكسلمينا: إن لنا إلها تملأ السماوات والأرض عظمته، لن ندعو من دونه إلها أبدا، ولن نفعل هذا الذي تدعونا إليه، ولكنا نعبد الله ونسبحه ونحمده خالصا من أنفسنا، إياه نعبد وإياه نسأل النجاة، وأما الأصنام فلا نعبدها أبدا، إصنع بنا ما بدا لك).
وقال الضحاك: (قال أصحاب مكسلمينا كلهم لدقيانوس مثل هذه المقالة، فقال دقيانوس: إني سأؤخركم، وأمهلكم حتى تراجعوا عقولكم، واجعل لكم مدة تتشاورون فيها، فإن أبيتم طاعتي وخالفتم أمري وقعت بكم العقوبة، وما منعني أن أعجل قتلكم إلا أني أراكم شبابا جديدا شبابكم، فلا أحب أن أهلككم حتى أجعل لكم مدة تنظرون فيها ما يصلح لكم، ثم أمر بحلية كانت عليهم من ذهب وفضة فنزعت عنهم وأمر بإخراجهم من عنده.
فعمد كل واحد منهم إلى بيت أبيه واخذ له منه زادا، وخرجوا هاربين فمروا بكلب، فتبعهم فطردوه ثم تبعهم، ففعلوا ذلك مرارا، فقال لهم الكلب: ما تخشون مني أنا أحب أحباب الله، فمتى نمتم كنت أحرسكم).
وقال ابن عباس: (كانوا سبعة هربوا ليلا، فمروا براع ومعه كلب، فتبعهم على دينهم، فوصلوا إلى كهف قريب من البلد فلبثوا فيه، ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتكبير والتحميد، وجعلوا نفقتهم على يد واحد منهم يقال له: يمليخا، فكان يشتري لهم متاعهم من المدينة سرا، وكان من أجملهم وأجلدهم، وكان إذا أراد أن يدخل المدينة يضع ثيابا كانت عليه حسانا، ويأخذ ثيابا كثياب المساكين الذين يسألون الناس، ثم يأخذ ورقة ويشتري طعاما، ويتجسس الأخبار، ويسمع هل يذكر هو وأصحابه، ثم يعود إلى أصحابه، فلبثوا كذلك ما لبثوا.
ثم إن دقيانوس الجبار شدد على من بقي من المسلمين، وأمرهم بالذبح للطواغيت، وكان يمليخا حينئذ هناك متنكرا، فسمع بأن دقيانوس يطلب الفتية ويسأل عنهم، فرجع يمليخا هاربا إلى أصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل، فأخبرهم أن دقيانوس يسأل عنهم، ففزعوا ووقفوا سجودا يتضرعون إلى الله، يتعوذون به من فتنتهم، وذلك عند غروب الشمس فبينا هم كذلك إذ ضرب الله على آذانهم في الكهف، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، فأصابهم ما أصابهم وهم مؤمنون موقنون، ونفقتهم عند رؤوسهم.
فلما كان من الغد إلتمسهم دقيانوس فلم يجدهم فغضب غضبا شديدا، وأرسل إلى آبائهم فسألهم عنهم، وقال: أخبروني عن أبنائكم المردة الذين عصوني، فقالوا: ما ندري أين ذهبوا، ولقد أخذوا أموالنا وهربوا، وليس لنا في ذلك ذنب لأنا لم نعصك فلا تعاقبنا فيهم. فخلى سبيلهم وجعل لا يدري ما يصنع بالفتية، فبلغه الخبر أنهم ارتفعوا الجبل فالتمسهم هناك حتى وجدوا الكهف، فألقى الله في نفسه أن يأمر بالكهف فيسد عليهم.
قال دقيانوس: سدوا باب الكهف، ودعوهم فيه يموتون جوعا وعطشا، وليكن كهفهم الذي اختاروه قبرا لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم، وقد توفى الله أرواحهم في النوم وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف وقد غشيه ما غشيهم، يقلبون ذات اليمين وذات الشمال، وبقي دقيانوس ما بقي، ثم مات وقرون بعده كثيرة وجاءت ملوك بعد ملوك).
وقيل: إن دقيانوس لما أتى إلى كهفهم يطلبهم كان كلما أراد رجل أن يدخل عليهم الكهف أرعب، فلم يطق الدخول، فجعلوا يقولون لو قدرنا أن ندخل عليهم لقيناهم فلم يستطع أحد الدخول إليهم، قال: سدوا عليهم باب الكهف فيموتون جوعا وعطشا، ففعلوا ذلك.