تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأخرى، ومن الملاحدة والمعطلة، ما لا يقدر أحد في عصرنا هذا أن يدرك فيه

شأوه، ولا يستطيع جهبذ من جهابذة الإسلام أن يبلغ فيه مده ولا نصيفه، إنه

الرجل الذي لو دعا كل مسلم بإطالة حياته حبا بخدمة الإسلام والمسلمين لكان بذلك

جديرا.

وليس في كلامنا هذا شيء من الإطراء ولا ثمة ما يدعونا إليه، وإنما أمرنا

بأن لا نبخس الناس أشياءهم، وهو أمر إلهي صريح، كما أننا لسنا ممن يرى

المعاصرة حجابا عن تقدير الفضائل قدرها، بل نرى أن المنصف يجب أن يزن

أقدار الناس في الحياة وبعد الممات بميزان واحد، وإن كان من ضرائب البشرية أن

تقسو على الأحياء، وأن تحنو على الأموات، وأن لا تعطي الإنسان حقه غير

منقوص إلا إذا فات.

ولقد حرر السيد رشيد تاريخ أستاذنا الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله في

مجلدين كبيرين يزيدان على ألفي صفحة وسيعززهما بمجلد ثالث [1] فيكون من

الفضول أن نقول: إنه لا تاريخ للشيخ محمد عبده غير هذا التاريخ وهو الذي فيه

ترجمة حاله بتفاصيلها، وحياته من المهد إلى اللحد، مع ذكر منازعه بدقائقها،

وعقائده بحقائقها، ومنشآته بنصوصها، وأخبار الحوادث التي خاضها، والمسائل

التي راضها.

وقد دخل في هذا الكتاب تاريخ السيد جمال الدين الأفغاني، وسير أعلام

آخرين، وتلخيص الحوادث العرابية في مصر وروايات كثيرة عن الخديو السابق،

ووثائق تاريخية لا توجد في كتاب آخر، ومباحث عقلية وشرعية وسياسية وأدبية

ولغوية لا يعثر القارئ على مثلها في غير هذا الكتاب. وللفقير إليه تعالى راقم هذه

الأسطر في الجزء الأول من هذا السفر الجليل فصل عن حياة الأستاذ الإمام أيام

كان في بيروت وكنا متصلين به وهو نحو من 14 صفحة، ولهذا الفصل تتمة وعد

الأستاذ الرشيد بنشرها في الجزء الذي لم يظهر بعد.

ولما كان الأستاذ السيد رشيد من كبار المحدثين، وله في هذا الفن من الطول

ما ليس خافيا عن أحد، فقد امتزج خلق التمحيص بدمه ولحمه، وأصبح لا ينشرح

صدره إلى الخبر إلا إذا وثق بأسانيده، وآمن بأمانة رجاله، وقد يسوق الرواية من

جملة طرق إلى أن يثلج بها الصدر، ويطمئن لها الفكر، وهذه طريقة السلف عندنا

لا يروون شيئا لا من الأحاديث النبوية وأخبار الصحابة فحسب، بل لا يروون

شيئا من الأشعار والآداب، وسير البشر والحكايات، إلا عنعنوه مسلسلا، وربما

أشاروا إلى درجة رجاله، فقووا ولينوا كما لا يخفى على من طالع كتبهم، وكانت

له ألفة بطريقتهم. وهذه الطريقة هي اليوم طريقة الأوربيين أيضا لا يروون خبرا

ولا ينقلون جملة ولا أثرا إلا وضعوا في الحاشية مأخذها والكتاب الذي أخذوها عنه

مع ذكر الصفحة، ومع ذكر طبعة الكتاب وتعيين المطبعة أحيانا، وكل ذلك توثيقا

للنقل، ونصحا بالتبليغ، وتمهيدا للحكم الصحيح، الذي لا يتهيأ للقارئ إلا بعد

مقدمات صحيحة، وبينات رجيحة.

ومن نفائس تآليفه السفر الذي أخرجه مؤخرا تحت عنوان (نداء إلى الجنس

اللطيف) فيه بيان حقوق النساء في الإسلام وتحقيق مسائل اجتماعية تدور أكثر من

كل المسائل في هذا العصر مثل تعدد الزوجات والتسري والحجاب والسفور والطلاق

وما يتعلق بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم من الأحكام والحكم، وتكريم النساء،

وبر الوالدين وتربية البنات، وغير ذلك قد جاء الأستاذ في هذا الكتاب بالآيات

البينات على حكمة الشرع الإسلامي وغفلة المعترضين عليه جهلا أو تجاهلا،

ولا يسعني إلا توصية الخلق بمطالعة هذا الكتاب؛ إذ ذاك أحسن ما يمكن وصفه به

(إن الجواد عينه فراره) ولكني أورد شذرة واحدة من هذا الكتاب من قبيل

التمثيل ليقيس القارئ عليه. اه نقل الأمير عبارة عن الكلام في التسري وحكم

الاسترقاق، وقد سبق لقراء المنار الاطلاع على الموضوع كله في كتاب الوحي

المحمدي بما هو أوسع مما في نداء الجنس اللطيف.

-----------------

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢٥١