33.11
قوله تعالى: ﴿ هنالك ابتلي المؤمنون ﴾ أي في تلك الحال اختبر المؤمنون بالقتال ليتبين المخلص من المنافق. وقيل: معناه: امتحن المؤمنون بالخوف الشديد الذي عنده يظهر المؤمن القوي من المؤمن الضعيف، وذووا العزم الصحيح من غيرهم. وقوله: ﴿ وزلزلوا زلزالا شديدا ﴾؛ أزعجوا وحركوا تحريكا شديدا، وذلك أن الخائف يكون قلقا مضطربا لا يستقر على مكانه.
33.12
قوله تعالى: ﴿ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ﴾ معناه: وإذ يقول الذين يستبطنون الكفر والذين في قلوبهم شك وضعف اعتقاد: ما وعدنا محمد أن فارس والروم يفتحان علينا ونحن في مكاننا هذا الذي لا يقدر أحد أن يبرز لحاجته إلا باطلا. قال قتادة: (قال ناس من المنافقين: يعدنا محمد أن نفتح قصور الشام وفارس، وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله، هذا والله الغرور).
33.13
قوله تعالى: ﴿ وإذ قالت طآئفة منهم يأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ﴾؛ قال مقاتل: (هم بنو سالم من المنافقين)، وقال السدي: (عبدالله بن أبي وأصحابه). (يا أهل يثرب) أي يا أهل المدينة، قال أبو عبيدة: (يثرب اسم أرض، ومدينة الرسول في ناحية منها). وقوله تعالى: ﴿ لا مقام لكم ﴾ أي لا موقف لكم في هذا الموضع، فارجعوا إلى المدينة.
وقرأ عاصم (لا مقام) بضم الميم؛ أي لا إقامة لكم ها هنا؛ لكثرة العدو وغلبة الحراب، فارجعوا إلى منازلكم، أمروهم بالهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله تعالى: ﴿ ويستأذن فريق منهم النبي ﴾؛ معناه: ويستأذن فريق منهم النبي عليه السلام في الرجوع إلى منازلهم بالمدينة؛ وهم: بنو حارثة وبنو سلمة، وكانوا يعتلون في الاستئذان بقولهم: ﴿ يقولون إن بيوتنا عورة ﴾؛ أي بيوتنا خالية من الرجال نخاف عليها، وقيل: معناه: إن بيوتنا ليست بجديدة. وقال مقاتل والحسن: (معناه: قالوا بيوتنا ضائعة نخشى عليها السراق). وقال قتادة: (قالوا بيوتنا مما يلي العدو ولا نأمن على أهلنا). فكذبهم الله تعالى وأعلم أن قصدهم الهرب، فقال عز وجل: ﴿ وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ﴾؛ من القتال ونصرة المؤمنين.
وقرأ ابن عباس وأبو رجاء: (إن بيوتنا عورة) بكسر الواو؛ أي قصيرة الجدران، فيها خلل وفرجة. قال الزجاج: (يقال: عور المكان يعور عورا وعورة، وبيوت عورة وعورة، وهي مصدر). والعورة في اللغة: ما ذهب عنه الستر والحفظ، تقول العرب: اعور الفارس إذا كان فيه موضع خلل للضرب، وعور المكان إذا بدت منه عورة. قال الشاعر:
متى تلقهم، لا تلق للبيت عورة
ولا الضيف محروما ولا الجار مرملا
يقال: أرمل القوم إذا فرغ زادهم.