تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إنهم تراموا بالنبل، فوقعت رمية في أكحل سعد بن معاذ فقطعته، رماه ابن الغرفة من قريش، فما زال أكحله يسيل دما حتى خيف عليه، فقال سعد: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش فأبقني لها، فإنه لا شيء أحب إلي من جهاد قوم آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبوه وأخرجوه، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لنا شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة.

ثم أتى نعيم بن مسعود الغطفاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ قد أسلمت وإن قومي من غطفان لم يعلموا بإسلامي، فمرني فيهم بما شئت، فقال عليه السلام: " إنما أنت رجل واحد فخذل عنا إن استطعت ". فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديما في الجاهلية، فقال لهم: يا بني قريظة؛ لقد علمتم ودي لكم وما بيني وبينكم من المحبة. قالوا: صدقت؛ لست عندنا بمتهم.

فقال لهم: إن قريشا وغطفان جاءوا لحرب محمد، وإن قريشا وغطفان ليسوا كهيئتكم؛ لأن هذه بلدكم وبها أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحولوا إلى غيركم، وإن قريشا وغطفان أموالهم وأولادهم ونساؤهم بعيدون، إن رأوا لهم ها هنا صولة وغنيمة أخذوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين هذا الرجل وهو رجل ببلدكم لا طاقة لكم به، فلا تقاتلوه حتى تأخذوا رهنا من أشراف قريش وغطفان يكونون بأيديكم ثقة على أن يقاتلوا معكم. فقالوا له: لقد أشرت برأي ونصيحة.

ثم خرج حتى أتى قريشا، فقال: يا معشر قريش؛ قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمدا، وقد بلغني أمرا رأيت حقا علي أن أبلغكموه نصحا لكم، فاكتموا علي. قالوا: نفعل! قال: اعلموا أن معشر اليهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: أنا قد ندمنا على فعلنا، فهل يرضيك عنا أن نأخذ من القبيلتين قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب رقابهم، ثم نكون معك على من بقي منهم، فقال لهم: نعم، وأنتم إذا بعثت اليهود إليكم يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا.

ثم خرج حتى أتى غطفان فقال لهم: يا معشر غطفان؛ أنتم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني. قالوا: صدقت! قال: فاكتموا علي، قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم.

فأرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى يهود بني قريظة نفرا من قريش وغطفان، فأتوهم وقالوا لهم: قد هلك الخف والحافر، فأعدوا للقتال حتى يفرغ ما بيننا وبين محمد. فقال بنو قريظة: لسنا بالذي نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم تكون ثقة بأيدينا، فإنا نخاف أنكم إذا اشتد عليكم الحرب والقتال أن تسيروا إلى بلادكم وتتركونا، وهذا الرجل قريب من بلادنا، ولا طاقة لنا به.

فرجعت الرسل بما قالت بنو قريظة، فقالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثنا به نعيم بن مسعود لحق. وأرسلوا إلى بني قريظة: والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، ولكنكم إن كنتم تريدون الحرب فاخرجوا معنا فقاتلوا ونحن معكم. قالت بنو قريظة: لا نقاتل إلا إذا أعطيتمونا رهنا من رجالكم. فقالوا لهم: حدثنا نعيم بن مسعود بذلك فلم نصدقه، فقالوا لهم: إن الذي ذكره لكم حق. وخذل الله بينهم، وبعث عليهم الريح في ليلة شاتية شديدة البرد حتى انصرفوا راجعين، والحمد لله رب العالمين ".

قوله تعالى: ﴿ وتظنون بالله الظنونا ﴾ ، فأما المنافقون فظنوا أن محمدا وأصحابه سيغلبون ويستأصلون، وأما المؤمنون فأيقنوا أن ما وعدهم الله تعالى حق، وأنه سيظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون. قال الحسن في معنى: ﴿ وتظنون بالله الظنونا ﴾: (يعني ظن المؤمنون بالله خيرا، وظن المنافقون أن الكافرين ظهروا على المؤمنين).

قرأ نافع وعاصم وابن عامر: (الظنونا) و(الرسولا) و(السبيلا) بإثبات الألف فيها وقفا ووصلا لأنه من أواخر الآي، وقرأ أبو عمرو بغير ألف وقفا ووصلا، وقرأ الباقون بالألف في الوقف دون الوصل.

التفسير الكبير · الصفحة ١٥٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٥٣٥