33.25
قوله تعالى: ﴿ ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ﴾؛ معناه: وصرف الله الكفار عن المؤمنين مغتاظين لم يكن فيهم من شفا غيظه، ولم ينالوا منهم مالا ولا غنيمة، ولم يروا سرورا، ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾؛ بالريح والملائكة التي أرسلت عليهم، ﴿ وكان الله قويا ﴾؛ أي لم يزل قويا في ملكه، ﴿ عزيزا ﴾ ، في قدرته منيعا بالنقمة من أعدائه.
33.26-27
قوله تعالى: ﴿ وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ﴾؛ معناه: وأنزل الذين عاونوا المشركين من أهل الكتاب وهم بنو قريظة، نقضوا العهد وأعانوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزلهم الله من حصونهم مع شدة شوكتهم، وألقى في قلوبهم الرعب.
" وذلك أن بني قريظة كانوا قد عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ينصروا أعداءه عليه، فلما رأوا الأحزاب وكثرتهم ظنوا أنهم يستأصلون المؤمنين، فنقضوا العهد ولحقوا بهم.
فلما هزم الله المشركين ورجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته، أراد أن ينزع لامته، فسمع هسيسا، فنظر فإذا جبريل عليه السلام في درعه وسلاحه، فقال له جبريل: أتنزع لامتك يا رسول الله والملائكة لم ينزعوا حتى يقاتلوا بني قريظة ويصلى فيهم العصر؟! فقال صلى الله عليه وسلم: " وكيف لي بقتالهم وهم في حصونهم؟! " فقال جبريل: لألهمنك ذلك، فوالله لأدقنهم اليوم كما يدق البيض على الصفا. فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأصحاب، فخرجوا إلى حصون بني قريظة، فألقي الرعب في قلوب القوم حتى طلبوا الصلح، وأبوا إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ.
وكان سعد قد أصابه سهم في أكحله في حرب الخندق، فسأل الله أن يؤخره إلى أن يرى قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم، فاستجاب الله دعاءه. فلما طلبت بنو قريظة النزول على حكم سعد، رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمل سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد احتبس أكحله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " احكم فيهم ". فقال: حكمت فيهم بأن يقتل مقاتلتهم ويسبى ذراريهم ونساؤهم وأموالهم. فقال صلى الله عليه وسلم: " حكمت فيهم مثل ما حكم الله فيهم ". فلما قتلت مقاتلتهم وسبيت نساؤهم وذراريهم، انفجر أكحل سعد فمات رحمه الله ".
والصياصي: جمع صيصة، وصيصة الثور قرنه، سمي بذلك؛ لأن قرنه حصنه الذي يتحصن به.
وروي:
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الليلة التي انصرف فيها الأحزاب، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون إلى المدينة، ووضع النبي صلى الله عليه وسلم السلاح، أتى جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش يغسل رأسه وقد مشطت عقصته، فقال جبريل: قد وضعت السلاح يا رسول الله؟! قال: " نعم " قال: عفا الله عنك يا رسول الله! فوالله ما وضعت الملائكة السلاح منذ أربعين ليلة، إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة.
وكان هذا في وقت الظهر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي: " من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة ". وقدم النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب برايته إليهم، فسار إليهم علي رضي الله عنه حتى إذا دنا من الحصون سمع منهم مقالة قبيحة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع علي رضي الله عنه حتى لقي النبي صلى الله عليه وسلم بالطريق. فقال: يا رسول الله لا عليك أن تدنو من هؤلاء الخبائث، قال: " أظنك سمعت منهم أذى؟ " قال: نعم. فسار النبي صلى الله عليه وسلم نحوهم حتى دنا من حصونهم، فقال لهم: " يا إخوان القردة أخزاكم الله، وأنزل فيكم نقمته " قالوا: يا أبا القاسم! ما كنت جهولا.