سبب غير الاعتقاد بالوجوب الديني، ومن الآيات على ذلك إجماع العلماء في كل
زمان ومكان على أداء جميع العبادات اللسانية بهذه اللغة كتلاوة القرآن في الصلاة
وغيرها وأذكار الصلاة والحج وغيرها حتى إنهم لا يزالون يؤدون بها الوعظ من
خطبة الجمعة لا الحمدلة والشهادتين والتلاوة والدعاء فقط، ولكن منهم من يترجمها
بعد الصلاة ومن المعلوم من الإسلام بالضرورة أننا متعبدون بتدبر القرآن والاعتبار
والاتعاظ بآياته وبفهم تلاوة الصلاة وأذكارها، وكل ذلك يتوقف على معرفة اللغة
العربية، وتقصير بعض المسلمين في هذا الواجب كتقصيرهم في الواجبات الكثيرة
التي أضاعت عليهم دينهم ودنياهم.
ليس من غرضنا هنا أن ندعو أعاجم المسلمين إلى تعلم اللغة العربية وإنما أن
نذكر حزب الإصلاح بما لا يجهله أكثر رجاله من العلاقة القوية بين منصب الخلافة
وبين اللغة العربية فإنه سيجد في اللغة معارضة شديدة، ولكن حجته قوية وهي
تعذر حياة الإسلام نفسه والاجتهاد في أحكامه بدونها- وتعذر تعارف المسلمين وجمع
كلمتهم بالقدر المستطاع بدونها، ففي كل قطر يسكنه المسلمون وكل مدينة منه لا
يزال الإسلام فيها حيا يوجد من أهل العلم بالعربية من يمكن التعارف معهم ونشر ما
يتقرر لخدمة الدين بسعيهم.
إن اللغة رابطة من روابط الجنس، وقد حرم الإسلام التعصب للجنس؛ لأنه
مفرق للأمة ذاهب بالاعتصام والوحدة واضع للعداوة موضع الألفة وقد نهى النبي
صلى الله عليه وسلم عن العصبية العمية الجاهلية، وتبرأ ممن يدعو إليها أو يقاتل
عليها، وقد كان من إصلاح الإسلام الديني والاجتماعي توحيد اللغة بجعل لغة هذا
الدين لغة لجميع الأجناس التي تهتدي به، فهو قد حفظ بها وهي قد حفظت به، فلولاه
لتغيرت كما تغير غيرها من اللغات، وكما كان يعروها التغيير من قبله، ولولاها
لتباعدت الأفهام في فهمه، ولصار أديانا يكفر أهلها بعضهم بعضا، ولا يجدون أصلا
جامعا يتحاكمون إليه إذا رجعوا إلى الحق وتركوا الهوى- فاللغة العربية ليست خاصة
بجيل العرب سلائل يعرب بن قحطان بل هي لغة المسلمين كافة، ولغة شعوب أخرى
من غير العرب، وطوائف من العرب غير المسلمين، وما خدم الإسلام أحد من غير
العرب إلا بقدر حظهم من لغته، ولم يكن أحد من العرب في النسب يفرق بين سيبويه
الفارسي النسب وأستاذه الخليل العربي في فضلهما واجتهادهما في خدمة اللغة، ولا
بين البخاري الفارسي وأستاذه أحمد بن حنبل العربي في خدمة السنة، بل لم يخطر
في بال أحد من سلف الأمة ولا خلفها قبل هذا العصر أن يأبى تفضيل كثير من
الأعاجم في النسب على بعض أقرانهم وأساتذتهم من العرب فيما امتازوا به من خدمة
هذا الدين ولغته، ولولا أن ظل علماء الدين في جميع الشعوب الإسلامية مجمعين على
التعبد بقراءة القرآن المعجز للبشر بأسلوبه العربي وأذكار الصلاة وغيرها بالعربية
ومدارسة التفسير والحديث بالعربية لضاع الإسلام منها.
ولو أن الدولة العثمانية أحيت اللغة العربية فيما فتحته من أوروبا لانتشر فيها
الإسلام ثم فيما جاورها انتشارا عاما ولقامت فيها مدنية إسلامية كمدنية العرب في
الأندلس وكان رسوخها فيها عظيما، ولكنها لم تفعل ذلك ولم تجعل لغتها التركية لغة
علم وفنون بل اعتمدت في حكمها على قوة السيف وحده فكان من غوائل ذلك-
وهي كثيرة - أن جميع الشعوب التي خضعت لسيادتها وسلطانها ظلت محافظة
على لغاتها حتى المسلمين منهم. فلما تجددت في هذا العصر عصبية اللغة وجعل
الترك العثمانيون لغتهم لغة علم أرادوا أن يكرهوا الشعوب الإسلامية في سلطنتهم
على ترك لغاتهم إلى لغة الدولة فامتنع الجميع عليهم، وهب أصحاب اللغات غير
العلمية المدونة كالألبانيين والكرد والجركس إلى تدوين لغاتهم وجعلها لغة علم
وفنون كما فعل الترك، وقد حاربت الدولة الألبانيين وهم أعظم حصونها في أوروبا