تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الاجتماع أن التأثير في تغيير حال الشعب لا يتم إلا في ثلاثة أجيال: جيل التقليد

والمحاكاه، وجيل الخضرمة، وجيل الاستقلال، وبتمامه يتم تكوين الملكة. ومثل

هذا في الشعوب كمثل التعليم الابتدائي والثانوي والعالي للأفراد. وقد يشذ بعض

الشعوب في بعض الملكات كما يشذ بعض الأفراد بذكاء نادر فيبلغ من إحكامها في

بدايته ما يعجز عن مثله البليد في نهايته. وقد حقق الفيلسوف الاجتماعي

(غوستاف لوبون) المشهور في كتابه (تطور الأمم) أن ملكة الفنون لم تستحكم

لأمة من أمم الأرض في أقل من الثلاثة الأجيال المقررة إلا للعرب فهم وحدهم

الذين تربت هذه الملكة فيهم فصار لهم مذهب خاص فيها منذ الجيل الأول من

مدنيتهم الإسلامية، فإذا لا بد من جعل كل تغيير يراد في الأمة إلى لجان من أهل

الإخصاء فيه تدرسه وتمحصه وتقرر فيه ما فيه مصلحتها وموافقة شريعتها.

وليس بيان هذا من مقصدنا هنا، ولكنه استطراد غرضنا منه رد مسألة النساء

وأمثالها إلى أصل علمي معقول، فإن الفوضى فيها ضاربة أطنابها في بلادنا كالبلاد

التركية، فما يراه بعض الناس ضارا قطعا يراه آخرون هو النافع الذي لا بد منه،

ومقلدة الإفرنج فيه كالجامدين على القديم ليسوا على هدى ولا بصيرة، فإن أعقل

حكماء الإفرنج وأكبر علمائهم غير راضين عن حال النساء عندهم، وقد حكي لنا

عن عاهل ألمانية عندما زار الآستانة في أيام الحرب أنه لما اطلع على تهتك النساء

التركيات وبروزهن للرجال متبرجات كنساء الإفرنج عذل طلعت باشا الصدر

الأعظم الاتحادي على ذلك قائلا: إنه كان لكم من دينكم وازع للنساء عما نشكو

نحن من غوائله الأدبية والاقتصادية ونعجز عن تلافيه، فكيف تتفصون منه

باختياركم؟ إنكم إذا لمخطئون.

ومما يحسن التذكير به من المسائل التي يتمسك جماهير متفقهة المسلمين فيها

بما ينافي ضروريات الحضارة الحاضرة والمصالح العامة: زعمهم أن السائل

المسمى بالكحول والسبيرتو نجس يحرم استعماله في كل ما يستعمله فيه الأطباء

والصيادلة وسائر الصناع الذين يعدونه ضروريا في صناعتهم، وقد أفتى جماعة

من فقهاء الهند بذلك منذ أشهر ورددنا عليه ردا طويلا أثبتنا فيه أن هذا السائل

طاهر ومطهر طبي، وأنه من الضروريات التي يجب الانتفاع بها في كثير من

الأعمال، وأنه مما عمت البلوى به، ولكن الأصل في فتاوى أفراد العلماء أن يعمل

بها من يقتنع بصحة أدلتها إذا كانت الفتوى مؤيدة بالدليل على طريقة السلف التي

نجري عليها في المنار، ومن يثق بعلم صاحبها أو بكونه على المذهب الذي ينتمي

إليه في المقلدين- فهي لا تحل المشكلات العامة بل تبقي الأمة مضطربة باختلاف

الفتاوى وأقوال العلماء، وإنما يحل المشكلات العامة ويجمع كلمة الأمة فيها الإمام

الأعظم (الخليفة) إذا كان مجتهدا كما تقدم.

29- توقف الاجتهاد في الشرع على اللغة العربية:

قد ثبت بما تقدم أن الجمع بين حضارة العصر وفنونه وبين المحافظة على

الإسلام لا يتم إلا بالاجتهاد في الشرع فكذلك لا يكون الخليفة هو الإمام الحق الذي

تجب طاعته، ويمكنه نشر دعوة الدين والمحافظة عليه ومقاومة البدع وإزالة

الخلاف بين الأمة في المسائل الاجتماعية والمدنية العامة إلا إذا كان مجتهدا -

والاجتهاد يتوقف على إتقان اللغة العربية وفهم أساليبها وخواص تراكيبها والملكة

الراسخة في فنونها؛ للتمكن من فهم نصوص الكتاب والسنة، وهما في الذروة

العليا من هذه اللغة، وقد عد علماء الأصول من جميع المذاهب معرفة اللغة العربية

شرطا مستقلا للاجتهاد مع اشتراط العلم بالكتاب والسنة، بل صرح بعض أئمة

العلماء بأن معرفة هذه اللغة فرض على كل مسلم وإن مقلدا! ولولا أن جميع سلف

الأمة كان على هذا الاعتقاد لما انتشرت العربية في خير القرون في كل قطر انتشر

فيه الإسلام من غير مدارس منظمة تديرها الحكومات والجمعيات، وهل لذلك من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٥٧