تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحربية وغير ذلك. فلا يصح لتارك الضروريات والحاجيات القانع بأن يكون فيهما

عالة على الأجانب أن يهتم بأمر الزينة المحضة، ولو لم تكن ضارة في دين ولا

دنيا!

وأما مسألة الموسيقى فليس لمحرميها من النصوص الصحيحة مثل أحاديث

تحريم التصوير واتخاذ الصور والتماثيل، بل هي مسألة خلافية. وقد فصلنا في

المنار القول في أدلة الذين حظروا سماع الغناء والمعازف (آلات الطرب) من

جهة الرواية، ومن جهة الدراية والاستنباط، وحققنا أن الأصل في المسألة الإباحة،

وأن المحرم منه ما كان ذريعة إلى معصية أخرى كمن يغريه السماع بشرب

الخمر أو غيره من الفسق وأن الإسراف فيه مكروه [2] .

وأما مسألة النساء فأحكام الإسلام أعلى الأحكام وأعدلها وأفضلها فيها، وأكثر

ما يستنكره العقلاء الفضلاء من مسلمات المدن المحجبات فهو من العادات، فإذا

كان طلاب تغيير هذه العادات يحكمون الدليل في ترك ما هو ضار منها والأخذ بما

هو نافع من غيرها فسيرون الشرع الإسلامي أقوى نصير لهم فيه، وليس الفصل

بين الضار والنافع في هذا وأمثاله بالأمر السهل، بل هو يحتاج إلى تدقيق وبحث

لاختلاف الآراء فيه باختلاف الأهواء والتربية كما يعلم من المثل الآتي: -

تصدى أحد أساتذة المدارس الأميرية في هذه البلاد لامرأة متزوجة يتصباها

وكان من تصبيه لها أن قال لها وهي مارة في الطريق ما معناه: إن جمالها قد حرم

عليه نوم الليل، فقاضاه زوجها إلى المحكمة الأهلية طالبا عقابه على تصبي زوجته

ومحاولة إفسادها عليه- فحكم قاضي المحكمة الابتدائية ببراءة الأستاذ معللا عمله

بأنه من حب الجمال الذي هو من الغرائز المحمودة والأذواق الصحيحة، فكيف يعد

ذنبا يعاقب عليه القانون؟ ولكن قاضي الاستئناف عد عمله ذنبا وحكم عليه بعقوبة.

إن تربية مسلمي مصر والترك- وأمثالهما- مذبذبة مضطربة في هذا العصر،

والتفاوت فيها كبير فمنهم غلاة التفرنج الذين يستحلون الفواحش ويميلون إلى

الإباحة وهم الأقلون، ومنهم الجامدون على جميع التقاليد العتيقة خيرها وشرها.

ولا سيما إذا كانت منسوبة إلى الدين - وإن خطأ، وبين هؤلاء وأولئك أهل القصد

والاعتدال من علماء الدين وعلماء الدنيا- فيجب أن يحال كل ما يراد من التغيير

في عادات الأمة على لجان من هؤلاء المعتدلين يبحثون في منافعه ومضاره من كل

وجه ويضعون النظام لما يقررون تغييره مراعين فيه سنن الاجتماع باتقاء ضرر

الاستعجال والطفرة، وما يحدثان من الفوضى في الأمة والتفاوت العظيم بين

أفرادها وجماعاتها، فإن الجيل الحاضر وليد الجيل الماضي ووارثه في غرائزه

وأفعاله وانفعالاته وعاداته، بل ينزع به العرق إلى الأجيال التي قبله، فإذا حمل

على ترك شيء مما كان عليه من الأفعال والعادات فإنما يسهل عليه من ذلك ما

يوافق الهوى واللذة دون ما يوافق العقل والمصلحة، ثم إنه لا بد أن يلقى معارضة

من فريق كبير من الأمة بمقتضى سنن الغريزة، فإن كلا من حب التجديد وحب

المحافظة على القديم غريزي في البشر فيظهر هذا في أناس وذاك في آخرين،

بتقدير العليم الحكيم، وإلا لكانوا على غرار واحد لا يتغير كالنمل والنحل، أو

لكانوا كل يوم في جديد لا يثبتون عليه ولا يكون لجيل منهم شبه بجيل آخر.

فمن يظن أنه يمكنه أن يميت أمة من الأمم بإبطال مقوماتها من العقائد

والغرائز والأخلاق ومشخصاتها من الآداب والعادات ثم يبعثها خلقا جديدا في جيل

واحد بتغيير في قوانينها وشكل حكومتها، وإقناعها بذلك بالخطب والشعر والجرائد

فهو مغرور، والحمل عليه بالقوة القاهرة لا يأتي إلا بحكومة شخصية قاهرة.

نعم إن التغيير ممكن وواقع، وطريقه معروف، وهو ما أرشدنا الله تعالى

إليه بقوله: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ (الرعد: 11)

وتغيير ما بالأنفس إنما يكون منظما بتعميم التربية والتعليم، وقد حقق علماء

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٥٦