دون التقليد.
مصطفى كمال باشا ذكي فصيح، ولكنه غير أصولي ولا فقيه، وهو يفتي في
أمثال هذه المسائل الدينية، بما أوتي من الجرأة العسكرية، والإدلال بزعامته
السياسية. فيقبل منه العوام، ولا يتجرأ عليه الفقهاء. ولكن سير حكومته على هذه
السبيل - وهي شعبية إسلامية لا يمكن أن تدوم بتأثير سلطة شخصية، فلا بد لها
من إحدى ثلاث: إما اتباع فقهائهم الحنفية بالجري على الراجح في كتب الفتوى-
وهذا ما لا يرضاه أحد من طلاب المدنية العصرية الغلاة ولا المعتدلين- وإما أن
يرفضوا كون الحكومة إسلامية بحجة الفصل بين الدين والسلطنة، وهذا ما يتمناه
ملاحدة المتفرنجين، ولكن لا سبيل إليه فإن سواد الأمة الأعظم مسلمون وهم
أصحاب السلطة وسيكون لهم الرأي الغالب في الجمعية الوطنية، فلم يبق إلا الثالثة،
وهي سبيل العلم الاستقلالي الاجتهادي الذي نوهنا به فهو الذي يثبت لهذه الحكومة
وللعالم كله أن الشريعة الإسلامية أوسع الشرائع وأكملها، وإن من أصولها حظر كل
ما ثبت ضرره، وإباحة ما ثبت نفعه، وإيجاب ما لا بد منه، وأن المحرم فيها
بالنص يباح للضرورة، والمحرم لسد ذريعة الفساد يباح للمصلحة الراجحة.
28- أمثلة لحاجة الترك إلى الاجتهاد في الشرع:
وهاهنا تأتي مسألة التصوير فهو قد حرم لعلة معروفة، وهي سد ذريعة
الوثنية، ومضاهاة خلق الله، فإذا احتيج إليه لمصلحة راجحة في العلم كتصوير
الأبدان المساعد على إتقان علوم الطب والجراحة، أو تحقيق المسميات اللغوية من
الطير والحيوان لمجرد ضبط اللغة، ولما يترتب عليها من المسائل الشرعية
كمعرفة ما يؤكل وما لا يؤكل عند من يحرمون أكل السباع المفترسة منها، أو
المسائل العلمية الكثيرة - لمصالح عسكرية أو إدارية كتصوير الجواسيس والجناة -
فكل ذلك يباح شرعا حيث لا شبهة عبادة، ولا قصد إلى مضاهاة خلق الله، وقد
بينا ذلك بالتفصيل في فتاوى المنار [1] ، وهو مما لمحه مصطفى كمال باشا لمحا،
فأفتى بالجواز المطلق طردا وعكسا، وهو ما لا يتم مطلقا، واستدلاله على جواز
نصب التماثيل لكبراء الرجال بعمل الحكومة المصرية يشبه استدلاله على صحة
سلب السلطة من الخليفة الآن بسلبها من الخلفاء العباسيين- ليس من الدين في شيء،
فإن الحكومة المصرية غير مقيدة بالشرع في جميع أعمالها، ولم يكن نصبها
لشيء من هذه التماثيل بفتوى من علماء الأزهر ولا غيرهم، ولو استفتتهم لما أفتوا،
لا لأن نصب التماثيل محرم في الإسلام فقط، بل لأن فيه إضاعة كثير من مال
الأمة في غير مصلحة أيضا، وهم لا يقبلون شبهة من يدعون أن نصب التماثيل
للرجال العظام ينفخ في روح الأمة الرغبة في التشبه بهم، والقيام بمثل أعمالهم،
لأنهم يجزمون بأنه لم يخطر في بال مصري قط أن يكون كمحمد علي باشا أو
إبراهيم باشا أو سليمان باشا الفرنسي ذوي التماثيل المنصوبة بمصر والإسكندرية.
وبأن التماثيل قد تنصب لمن يكون قدوة سيئة أيضا، وبأنها من تقليد الإفرنج في
أمر من أمور زينة مدنيتهم التي تقتضي نفقات عظيمة لا تقدم عليها إلا الأمم الغنية
ذات الثروة الواسعة، فلو كان مباحا مطلقا في شرعنا لكان الأولى بنا تركه لأمرين
يرجحان به:
(أحدهما) الاقتصاد في المال ونحن لا نزال شعوبا فقيرة.
(وثانيهما) تحامي التقليد لهم فيما هو من مشخصات حضارتهم التي فتنا بها
فكانت من أسباب استكبارنا لهم واحتقارنا لأنفسنا، وقد نهانا نبينا صلى الله عليه
وسلم عن التشبه بغيرنا لنكون مستقلين دونهم بل قدوة لهم. وهذه مسألة اجتماعية
مهمة فصلنا القول في مضارها مرارا.
وقول مصطفى كمال باشا: إن الأمة لا بد لها من إتقان صناعة نحت التماثيل.
يجاب عنه بأن الأمة تاركة لصناعات كثيرة واجبة شرعا، وهي كل ما تتوقف
عليه المعيشة والقيام بالواجبات الذاتية كالملابس والأسلحة والطيارات والبوارج