تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.180

وحين يقول المولى سبحانه وتعالى ﴿ ولله الأسمآء الحسنى ﴾ [الأعراف: 180] نقول: أنه لا يوجد لغير الله اسم يوصف بأنه من الحسنى، إن قلت عن إنسان إنه " كريم " ، فهذا وصف، وكذلك إن قلت إنه " حليم " ، وكلها صفات عارضة في حادث، ولا تصير أسماء حسنى إلا إذا وصف الله بها. فأنت - مثلا - لك قدرة تفعل أفعالا متعددة، ولله قدرة، لكن قدرتك حادثة من الأغيار، بدليل أنها تسلب منك لتصير عاجزا، أما قدرة الله تعالى فلها طلاقة لا يحدها شيء. فهي قدرة مطلقة. وأنت قد تكون غنيا لك غنى، ولله غنى، لكن ثراءك محدود، وأما غنى الله فإنه غير محدود. إذن الأسماء الحسنى على إطلاقها هي لله، وإن وجدت في غيره صارت صفات محدودة مهما اتسعت. ﴿ ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها ﴾ [الأعراف: 180]. والحسنى.. تأنيث لكلمة " الأحسن " اسم تفضيل، وهي الأسماء الحسنى في صلاحية الألوهية لها، وصلاحيتها للألوهية. وحين تقول عنه سبحانه: إنه " رحيم " ، فهذا أمر حسن عندي وعندك لأنني أنظر إلى رحمته لي، وأنت تنظر إلى رحمته لك. وحين تقول: " غفار " فأنت وأنا وكل من يسمعها تعود عليه. وحين تقول: " قهار " وأنت مذنب ستخاف، وهي صفة حسنى بالنسبة للإله لأن الإله لا بد أن تكون له صفات جمال وصفات جلال، فصفات الجمال لمن أطاع، وصفات الجلال لمن عصى. ولذلك لا تأخذ النعم بمدلولها عندك، بل خذ النعم بمرادات الله تعالى فيها. وساعة يتكلم الحق سبحانه وتعالى قائلا:

سنفرغ لكم أيه الثقلان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران * فبأي آلاء ربكما تكذبان

[الرحمن: 31-36]. فهل إرسال الشواظ من النار والنحاس نعمة يقول بعدها: ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾؟ نقول: نعم، هي نعمة كبيرة، لأنه سبحانه وتعالى ينبهنا قبل أن توجد النار، أن النار قوية، ويعطي لك نعمة العظة والاعتبار. وعظته وتنبيهه - إذن - قبل أن توجد النار نعمة كبرى، وأيضا هي نعمة بالنسبة للمقابل، فحين يطيعه المؤمنون في الدنيا ويلزمون أنفسهم بمنهج الله، فلهم ثواب حق الالتزام، والمقابل لهم الذين لم يلتزموا وأخذوا الخروج عن المنهج غاية، يتوعدهم سبحانه بالعقاب، وهذه نعمة كبرى. ﴿ ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها ﴾ [الأعراف: 180]. والحق سبحانه وتعالى عرفنا اسمه بالبلاغ منه لأننا قد نعرف مسماه من القوى القادرة وهي التي تعرف بالعقل، لكن العقل لا يقدر أن يعرف الاسم.

وسبق أن قلت: لنفترض أن أناسا يجلسون في حجرة ثم طرق الباب. هنا يجمع الكل على أن طارقا بالباب، لكن حين دخلوا في التصور اختلفوا، فواحد يقول: إن الطارق رجل، فيرد الآخر: لا إنها امرأة لأن نقرتها خفيفة، ويقول ثالث: هذه النقرة على الباب تأتي من أعلاه وهي دليل على أن الطارق ضخم، وهو نذير لأنه يطرق بشدة، ويختلف تصور كل الحضور عن الطارق، ولا أحد يعرف اسمه. إذن حين تريد أن تعرف من الطارق، فأنت تسأله من أنت؟ فيقول لك " اسمه ". إذن فإن الاسم لا يدرك بالعقل. ومن خلق الخلق كله قوي، قادر، حكيم، عليم، لأن عملية الخلق تقتضي كل هذا. أما اسم الله. فهذه مسألة لا يعرفها العقل وتحتاج إلى توقيف. إذن فأسماء الله تبارك وتعالى توقيفية، فحين يقول لنا: هذه أسمائي فإننا ندعوه بها، وما لم يقل لنا عليه لا دعوة لنا به، ولذلك يقول تعالى: ﴿ فادعوه بها ﴾. فإذا أنت نقلت هذا إلى غيره. فأنت تدعو بالأسماء الحسنى سواه، مثلا كذاب اليمامة مسيلمة سمى نفسه الرحمن، وبذلك ألحد في اسم الله حيث نقل أحد أسماء ربنا إلى ذاته، ومثله فعل غيره، ألم يسموا " اللات " من الله؟. ألم يسموا " العزى " من العزيز؟. ألم يسموا " مناة " من المنان؟. كل هؤلاء ألحدوا في أسماء الله التي لا ندعو غيره بها، ولذلك ورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله في دعآئه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩٥٠