7.128
ويقرر موسى الحقيقة الواضحة وهي أن الأرض ليست لفرعون، والعاقبة لا تكون إلا للمتقين. وكأنه بهذا القول يريد أن يردهم إلى حكم التاريخ حيث تكون العاقبة دائما للمتقين، فإذا قال فرعون: وإنا فوقهم قاهرون، مستعلون غالبون مسلطون مسيطرون، فإن موسى يرد على ذلك: أنا أستعين بمن هو أقوى منك. إن موسى عليه السلام يأمر قومه بأن يستعينوا بالله، ويصبروا على ما ينالهم من بطش فرعون وظلمه. ولأن قوم موسى كانوا من المستضعفين، فإن الله وعدهم أن يؤمنهم في الأرض ويمكن لهم فيها وهذا إخبار من الله وإخبار الله حقائق. ولكن ماذا كان موقف قوم موسى منه بعد هذا النصر العظيم لموسى، والنصر لهم؟. نجد الحق سبحانه يقول: ﴿ قالوا أوذينا من قبل... ﴾.
7.129
لقد قالوا لموسى: من قبل أن تأتينا أوذينا بأن قتلوا الأبناء واستحيوا النساء، وبعد أن جئت ها نحن أولاء نتلقى الإيذاء. كأن مجيئك لم يصنع لنا شيئا. إذن هم نظروا للابتلاءات التي يجريها الله على خلقه، ولم ينظروا إلى المنة والمنحة والعطاء وإلى آلاء الانتصار، وإلى أن فرعون قد حشد كل السحرة، وبعد ذلك هزمهم موسى، وكان يجب أن يكون تنبيها لهم لقدرة عطاء الله، هم يحسبون أيام البلاء، ولم يحسبوا أيام الرخاء. وقوله: ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ يدل على أنهم سوف يخونون العهود، ويفعلون الأشياء التي لا تتناسب مع هذه المقدمات. وفي الإسلام نجد عمرو بن عبيد وقد دخل على المنصور قبل أن يكون أميرا للمؤمنين، وكان أمامه رغيف أو رغيفان، فقال: التمسوا رغيفا لابن عبيد. فرد عليه العامل: لا نجد. فلما ولي الخلافة وعاش في ثراء الملك ونعمته دخل عليه ابن عبيد وقال: لقد صدق معكم الحق يا أمير المؤمنين في قوله: ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ﴾ [الأعراف: 129]. وقد قال موسى لقومه هذا القول بعد أن عايروه بعدم قدرته على رد العذاب عنهم. وهكذا استقبل قوم موسى أول هزيمة لفرعون أمام موسى، وقالوا له: أوذينا من قبل أن تأتينا، ومن بعد ما جئتنا، أي بالتذبيح، واستحياء النساء، وقتل الأبناء، فكأن مجيئك لم يفدنا شيئا لأننا مقيمون على العذاب الذي كنا نسامه. فلا حاجة لنا بك، ولا ضرورة في أن تكون موجودا بدليل أن الذي حدث بعدك هو الذي حدث قبلك. ولم يلتفتوا إلى أن الإيذاء من قبل ومن بعد لا ينشأ إلا من عدو، فكأن موسى يرد عليهم بأن أسباب الإيذاء ستنتهي، وأن الله سيهلك عدوكم الذي آذاكم من قبل ويؤذيكم من بعد. ولن يقتصر الأمر على هذه النعمة بل يزيدكم بأن يستخلفكم في الأرض، ويعطيكم ملكهم ويعطيكم أرضهم. وكأن هنا أمرين: الأمر الأول سلبي: وهو إهلاك العدو، والأمر الثاني إيجابي: وهو استخلافكم في الأرض وهذا أمر لكم، ووعد من الله بأن تكون لكم السيادة والملك وعليكم أن تنتبهوا إلى أن نعمة الله عليكم بإهلاك عدوكم، وباستخلافكم في الأرض لن تترك هكذا، بل أنا رقيب عليكم أنظر ماذا تفعلون، هل تستقبلون هذه النعم بالشكر وزيادة الإيمان واليقين والارتباط بالله، أو تكفرون بهذه النعمة؟ وحين يقول الحق سبحانه وتعالى على لسان موسى ﴿ عسى ﴾ فهي كلمة - كما يقول علماء اللغة - تدل على الرجاء، ومعنى الرجاء أن ما بعدها يكون مرجو الحصول. وهناك فرق بين التمني وبين الرجاء. فالتمني أن تتطلب أمرا مستحيلا أو يكون في الحصول عليه عسر، ولكنك تريد - فقط - بالتمني إشعار حبك له، فأنت إذا قلت: ليت الشباب يعود، فهذا أمر لا يكون، ولكنك تعلن حبك لمرحلة الشباب.
وقصارى ما يعطيه أن يعلمنا أنك تحب هذا المتمنى. لكن هل يتحقق أو لا يتحقق.. فهذه ليست واردة. لكن " الرجاء " شيء محبوب يوشك أن يقع. وهكذا نعرف أن الرجاء أقوى من التمني. وأداة التمني " ليت " وأداة الرجاء " عسى ". وحين يكون بعد " عسى " ما يرجى فلذلك مراحل تتفاوت بقوة أسباب الرجاء في الوقوع. فأنا مثلا إذا قلت: عسى أن أكرمك فهذا أمر يعود إلي أنا، لأن إكرامي لك يقتضي بقائي، وعدم تغير نفسي من ناحيتك، فمن الجائز أن تتغير نفسي قبل أن أكرمك ولا يقع إكرامي لك. هذا هو الرجاء من صاحب الأغيار، وما دمت صاحب أغيار فقد لا أقدر على الإكرام، أو أقدر ولكني لم أعد أحب هذا الأمر فقد انصرفت نفسي عنه، وهذا يفسد الرجاء ويقلل الأمل في حصوله. فإذا قلت لإنسان: عسى الله أن يكرمك فلان وهو مساويه، فهذا أمر مستبعد قليلا لأن من يقول ذلك لا يملك أن يقوم فلان بإكرام المساوي له، لأنه صاحب أغيار. لكن إذا قلت: عسى الله أن يكرمك فهذه أقوى، لأن ربنا لا يعجزه شيء عن إكرام إنسان. وهل يقبل الله أن يجيب رجاءك؟ هذه مسألة تحتاج إلى وقفة، فسبحانه من ناحية القوة له مطلق القدرة فلا شيء يعطله أو يستعصي أو يتأبى عليه. فإذا ما قال الحق عن نفسه: ﴿ عسى ربكم ﴾ فقد انتهت المسألة وتقرر الوعد وتحقق، وهذا ما يقال عنه رجاء محقق. إذن مراحل الرجاء هي: عسى أن أكرمك، وعسى أن يكرمك زيد، وعسى الله أن يكرمك، وأقوى ألوان الرجاء أن بعد الحق بالإكرام أو بالرحمة. ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوكم.. ﴾ [الأعراف: 129]. والكلام كما نراه هو من موسى، ولا يقدر على هذه المسألة إلا الله، فما موقع هذا من تحقيق الرجاء؟. نعلم أن موسى رسول أرسله الله لهداية الخلق، وأرسله مؤيدا بالمعجزة، فإذا كان الرسول المؤيد بالمعجزة قد أمره الله أن يبلغهم ذلك، فيكون الرجاء منه مقبولا: ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ﴾. ومرة تكون إزالة الشيء الضار نعمة بمفردها، أما أن يهلك الله عدوي ويعطيني الحق مكانة عدوي العالية فهذه نعمة إيجاب، تكون بعد نعمة سلب. ومثل هذا ما سوف يحدث يوم القيامة لأن الحق يقول: