17 - سورة الإسراء
17.1
استهل الحق سبحانه هذه السورة بقوله سبحان لأنها تتحدث عن حدث عظيم خارق للعادة، ومعنى سبحان: أي تنزيها لله تعالى تنزيها مطلقا، أن يكون له شبيه أو مثيل فيما خلق، لا في الذات، فلا ذات كذاته، ولا في الصفات فلا صفات كصفات، ولا في الأفعال، فليس في أفعال خلقه ما يشبه أفعاله تعالى. فإن قيل لك: الله موجود وأنت موجود، فنزه الله أن يكون وجوده كوجودك لأن وجودك عن عدم، وليس ذاتيا فيك، ووجوده سبحانه ليس عن عدم، وهو ذاتي فيه سبحانه. فذاته سبحانه لا مثيل لها، ولا شبيه في ذوات خلقه. وكذلك إن قيل: سمع ولله سمع. فنزه الله أن يشابه سمعه سمعك، وإن قيل: لك فعل، ولله فعل فنزه الله أن يكون فعله كفعلك. ومن معاني سبحان أي: أتعجب من قدرة الله. إذن: كلمة سبحان جاءت هنا لتشير إلى أن ما بعدها أمر خارج عن نطاق قدرات البشر، فإذا ما سمعته إياك أن تعترض أو تقول: كيف يحدث هذا؟ بل نزه الله أن يشابه فعله فعل البشر، فإن قال لك: إنه أسرى بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس في ليلة، مع أنهم يضربون إليها أكباد الإبل شهرا، فإياك أن تنكر. فربك لم يقل: سرى محمد، بل أسري به. فالفعل ليس لمحمد ولكنه لله، وما دام الفعل لله فلا تخضعه لمقاييس الزمن لديك، ففعل الله ليس علاجا ومزاولة كفعل البشر. ولو تأملنا كلمة سبحان نجدها في الأشياء التي ضاقت فيها العقول، وتحيرت في إدراكها وفي الأشياء العجيبة، مثل قوله تعالى:
سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون
[يس: 36]. فالأزواج أي: الزوجين الذكر والأنثى، ومنهما يتم التكاثر في النبات، وفي الإنسان وقد فسر لنا العلم الحديث قوله: ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ بما توصل إليه من اكتشاف الذرة والكهرباء، وأن فيهما السالب والموجب الذي يساوي الذكر والأنثى لذلك قال تعالى:
ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون
[الذاريات: 49]. ومنها قوله تعالى:
فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون..
[الروم: 17]. فمن يطالع صفحة الكون عند شروق الشمس وعند غروبها، ويرى كيف يحل الظلام محل الضياء، أو الضياء محل الظلام، لا يملك أمام هذه الآية إلا أن يقول: سبحان الله. ومنها قوله تعالى:
سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين
[الزخرف: 13]. هذه كلها أمور عجيبة، لا يقدر عليها إلا الله، وردت فيها كلمة سبحان في خلال السور وفي طيات الآيات. وسبحان اسم يدل على الثبوت والدوام، فكأن تنزيه الله موجود وثابت له سبحانه قبل أن يوجد المنزه، كما نقول في الخلق، فالله خالق ومتصف بهذه الصفة قبل أن يخلق شيئا.
وكما تقول: فلان شاعر، فهو شاعر قبل أن يقول القصيدة، فلو لم يكن شاعرا ما قالها. إذن: تنزيه الله ثابت له قبل أن يوجد من ينزهه سبحانه، فإذا وجد المنزه تحول الأسلوب من الاسم إلى الفعل، فقال سبحانه:
سبح لله ما في السماوات وما في الأرض
[الحشر: 1]. وهل سبح وسكت وانتهى التسبيح؟ لا، بل:
يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض..
[الجمعة: 1]. على سبيل الدوام والاستمرار، وما دام الأمر كذلك والتسبيح ثابت له، وتسبح له الكائنات في الماضي والحاضر، فلا تتقاعس أنت أيها المكلف عن تسبيح ربك، يقول تعالى:
سبح اسم ربك الأعلى
[الأعلى: 1]. وقوله: أسري من السرى، وهو السير ليلا، وفي الحكم: عند الصباح يحمد القوم السرى. فالحق سبحانه أسرى بعبد، فالفعل لله تعالى، وليس لمحمد صلى الله عليه وسلم فلا تقس الفعل بمقياس البشر، ونزه فعل الله عن فعلك، وقد استقبل أهل مكة هذا الحدث استقبال المكذب. فقالوا: كيف هذا ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا، وهم كاذبون في قولهم لأن رسول الله لم يدع أنه سرى بل قال: أسري بي. ومعلوم أن قطع المسافات يأخذ من الزمن على قدر عكس القوة المتمثلة في السرعة. أي: أن الزمن يتناسب عكسيا مع القوة، فلو أردنا مثلا الذهاب إلى الإسكندرية سيختلف الزمن لو سرنا على الأقدام عنه إذا ركبنا سيارة أو طائرة، فكلما زادت القوة قل الزمن، فما بالك لو نسب الفعل والسرعة إلى الله تعالى، إذا كان الفعل من الله فلا زمن. فإن قال قائل: ما دام الفعل مع الله لا يحتاج إلى زمن، لماذا لم يأت الإسراء لمحة فحسب، ولماذا استغرق ليلة؟ نقول: لأن هناك فرقا بين قطع المسافات بقانون الله سبحانه وبين مراء عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم في الطريق، فرأى مواقف، وتكلم مع أشخاص، ورأى آيات وعجائب، هذه هي التي استغرقت الزمن. وقلنا: إنك حين تنسب الفعل إلى فاعله يجب أن تعطيه من الزمن على قدر قوة الفاعل. هب أن قائلا قال لك: أنا صعدت بابني الرضيع قمة جبل " إفرست " ، هل تقول له: كيف صعد ابنك الرضيع قمة " إفرست "؟ هذا سؤال إذن في غير محله، وكذلك في مسألة الإسراء والمعراج يقول تعالى: أنا أسريت بعبدي، فمن أراد أن يحيل المسألة وينكرها، فليعترض على الله صاحب الفعل لا على محمد. لكن كيف فاتت هذه القضية على كفار مكة؟ ومن تكذيب كفار مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج نأخذ ردا جميلا على هؤلاء الذين يخوضون في هذا الحادث بعقول ضيقة وبإيمانية سطحية في عصرنا الحاضر، فيطالعونا بأفكار سقيمة ما أنزل الله بها من سلطان.