تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.19

ويعاود القرآن الحديث عن آدم بعد أن تناول مسألة إبليس فيقول: ﴿ ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾. كثير من العلماء تتواتر نقل العلم عندهم إلى أن الجنة هي جنة الآخرة والخلود، واعترض البعض متسائلين: كيف يدخل إبليس جنة الخلود؟. وكيف يخرج منها؟. وهل الذي يدخل الجنة يخرج منها؟. وهؤلاء العلماء الذين قالوا: إن الجنة هي جنة الآخرة، لم يفطنوا إلى مدلول كلمة " جنة " فساعة تطلق كلمة جنة، تأخذ ما يسمى في اللغة " غلبة الاستعمال " ، أي تأخذ اللفظ من معانيه المتعددة إلى معنى واحد يستقل به عرفا، بحيث إذا سمع انصرف الذهن إليه، فأنت إذا سمعت يا مؤمن كلمة الجنة ينصرف ذهنك إلى جنة الآخرة لأنها هي التي تعتبر جنة بحق، لكن حينما يأتي اللفظ في القرآن والمتكلم هو الله، فلا بد أولا أن ندرس اللفظ واستعمالاته في اللغة لأن القرآن جاء بلسان عربي مبين، فمن الجائز أن يوجد اللفظ في اللغة وله معان متعددة. وعندما يتعلق الأمر بالدين والفقه فإننا نأخذ اللفظ من معناه اللغوي، ونجعله ينصرف إلى المعنى الشرعي الاصطلاحي. مثال ذلك كلمة " الحج " فأنت ساعة تسمع كلمة " الحج " تقول: هو قصد بيت الله الحرام للنسك والعبادة في أشهر معلومة، على الرغم من أن " الحج " في اللغة هو القصد، فإذا قصدت أي شيء تقول: حججت إليه. فلما جاء الإسلام أخذ هذا اللفظ من اللغة واستعمله في الحج بالمعنى الشرعي، وهو قصد البيت الحرام للنسك، وكذلك كلمة " الصلاة " إنها في اللغة الدعاء، فقوله تعالى: ﴿ وصل عليهم ﴾ أي ادع لهم، ولما جاء الإسلام أخذ الكلمة من اللغة، وجعلها تطلق على معنى اصطلاحي جديد بحيث إذا أطلق انصرفت إليه، وهي الأقوال والأفعال المخصوصة، المبدوءة بالتكبير المختومة بالتسليم بشرائطها الخاصة. ولكن هل معنى أننا أخذنا اللفظ من اللغة وجعل له الشرع معنى اصطلاحيا أن هذا يكون تركا لمعناه الأصلي؟. لا لأنك إن أردت أن تستعمله في معناه الأصلي فلك ذلك، ولكنك تحتاج إلى قرينة تدل على أنك لا تريد الصلاة الشرعية لأن كلمة " صلاة " أصبحت هي الصلوات الخمس المعروفة لنا، مع أن معناها الأصلي كان الدعاء، وهذا هو ما جعل العلماء يذهبون إلى أن كلمة " الجنة " ساعة تطلق ينصرف الذهن إلى جنة الخلود. ونقول: المعنى اللغوي للجنة أنها المكان الذي فيه أشجار غزيرة ومتنوعة، أما غزارتها وعلوها فتستر الإنسان وتجنه عن كل ما حوله، وأما ما فيها من الثمار والضروريات والكماليات فلأنها تستر الإنسان عن خارجها ويكتفي بأن يكون فيها، والقرآن لم يجيء بالجنة بمعنى جنة الخلد فقط، بل يقول أيضا:

أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب..

[البقرة: 266]. وكذلك يقول سبحانه:

واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا

[الكهف: 32]. وقوله الحق:

لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور

[سبأ: 15]. وأقول: إن علينا أن نبحث في آفاق مرادات الله حين يعلمنا من لدنه ويقفنا على المعنى المراد، إننا نعلم أن أول بلاغ نزل من الله بخصوص آدم أخبرنا فيه أنه قد خلق آدم خليفة في الأرض:

إني جاعل في الأرض خليفة..

[البقرة: 30]. إذن فآدم مخلوق للأرض، ولا تظلموا آدم وتقولوا إنه مخلوق للجنة، وكنا سنعيش فيها لكنه عصى وأنزلنا إلى الأرض. لذلك نقول: لا، وعلينا أن نتذكر أن أول بلاغ من الله عن آدم أنه جعله في الأرض خليفة. والذي كان يجب أن نسأل عنه: ما دام قد جعله الله خليفة في الأرض فما الذي جاء بحكاية الجنة هذه؟! لقد خلق الله آدم ليكون خليفة في الأرض، وكان عليه أن يتلقى من الله التكاليف محصورة في " افعل " و " لا تفعل " لأنك إن لم تمتثل سيظهر الفساد في المجتمع، أما الذي لا يظهر منه فساد فسبحانه يتركه مباحا لذلك فكل ما لم يرد فيه " افعل " و " لا تفعل " لا يفسد به المجتمع. إذن ف " افعل " و " لا تفعل " هي مقياس ضمان الصلاح في الأرض. وهل خلق الله الإنسان هكذا بدون منغصات تفسد عليه منهج الله؟. لا، فما دام الشيطان قد وقف هذا الموقف مع آدم، وقال أنا سأغوي فسيزين لك في " افعل " ، و " لا تفعل " ويأتيك الأمر بالصلاة فينزغك الشيطان حتى لا تصلي. ويأتيك الأمر ألا تشرب الخمر فيزين لك الشيطان أن تشربها، ويحاول أن ينقل مجال " افعل " إلى مجال " لا تفعل " ، وكذلك يحاول أن يزين لك " أن تفعل " ما هو في مجال " لا تفعل " فترتبك حركتك. إن الحق سبحانه يريد منهجا يحكم حركة الحياة، ويضمن للخلافة في الأرض أن تؤدي مهمتها أداء يسعد الإنسان فيه في الدنيا وينعم في الآخرة لذلك كان لا بد أن يدرب الحق سبحانه خليفته في الأرض على المنهج حتى لا يتلقى المنهج تلقيا نظريا، لذلك شاء الحق سبحانه وتعالى ألا يجعل آدم يباشر مهمة الخلافة إلا بعد أن يعطيه تدريبا على المهمة في " افعل " و " لا تفعل ". وحذره من العقبات التي تعترض " افعل " حتى لا تجيء في منطقة " لا تفعل " ، وكذلك من العقبات في منطقة " لا تفعل " حتى لا تجيء في منطقة " افعل " ، واختار له مكانا فيه كل مقومات الحياة وترفها حتى لا يتعب في أي شيء أبدا في أثناء التدريب، وأوضح له أن هذه هي الجنة وهي بستان جميل وفيه كل مقومات الحياة وترفها، وأمره: كل من كل شيء فيها، ولكن لا تقرب هذه الشجرة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٧٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٧٦٧