7.84
فهل كان ذلك المطر مثل المطر الذي ينزل عادة؟ لا، بل هو مطر من نوع آخر. فسبحانه يقول:
لنرسل عليهم حجارة من طين * مسومة عند ربك للمسرفين
[الذاريات: 33-34]. يقول الحق: إنه سيعذبهم بالمطر، فلننتبه أنه ليس المطر التقليدي، بل إنه يعذبهم ويستأصلهم بنوع آخر من المطر. وقوله: " فانظر " أي فاعتبر يا من تسمع هذا النص، وهذه القصة تبين وتوضح أن الله لا يدع المجرمين يصادمون دعوة الله على لسان رسله دون عقاب. ويقول سبحانه: ﴿ وإلى مدين أخاهم شعيبا... ﴾.
7.85
و " مدين " هو ابن من أبناء سيدنا إبراهيم جاء واستقر في هذا المكان، فهو علم على شخصه، وعلم على المكان الذي أقام فيه وسمي المكان باسمه، فلما تكاثر أبناؤه وصاروا قبيلة أخذت القبيلة اسمه. إذن ف " مدين " اسم علم على ابن إبراهيم، وأطلق على المكان الذي استقر فيه من طور سيناء إلى الفرات، وأطلق على القبيلة: ﴿ وإلى مدين أخاهم شعيبا ﴾. الحق سبحانه وتعالى هنا يكرر " أخ " ليبين لك أنه إن قسا عليهم مرة فسيحنو عليهم مرة أخرى لأنهم إخوة له ومأنوس بهم، وفيهم عاش ويعرفون عنه كل شيء، وكان مدين قد تزوج من رقبة ابنة سيدنا لوط، وحين تكاثر الاثنان صاروا قبيلة، ويبلغهم سيدنا شعيب بالقضية العقدية التي يبلغها كل رسول: ﴿ ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ﴾. والعبادة هي الطاعة للأمر والطاعة للنهي، وأنت لا تطيع أمر آمر ولا نهي ناه إلا إذا كان أعلى منك، لأنه إن كان مساويا لك، فبعد أن يقول لك: " افعل كذا " ستسأله أنت: لماذا؟، وبعد أن ينهاك عن شيء ستسأله أيضا: لماذا؟. لكن الأب حينما يقول لطفله: أنت لا تفعل الشيء الفلاني، فالابن لا يناقش لأنه يعرف أن أباه هو من يطعمه ويشربه ويكسوه، وحين يكبر الطفل فهو يناقش لأن ذاتيته تتكون، ويريد أن يعرف الأمر الذي سيقدم عليه. ﴿ وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جآءتكم بينة من ربكم.. ﴾ [الأعراف: 85]. وما دام قد قال لهم: ﴿ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ﴾ فهو رسول قادم ومرسل من الله، ولا بد أن تكون معجزة يثبتها، إلا أن شعيبا لم يأت لنا بالمعجزة، إنما جاء بالبينة. ﴿ قد جآءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان... ﴾ [الأعراف: 85]. لأن كل المعاصي والكفر تدفع إلى الإخلال في الكيل والميزان، وإذا كان شعيب قد قال ذلك لقومه فلا بد أن الإخلال في الكيل والميزان كان هو الأمر الشائع فيهم. فيأتي ليعالج الأمر الشائع. وهم كانوا يبخسون الكيل والميزان. ويظن الناس في ظاهر الأمر أنها عملية سهلة، وأن القبح فيها قليل، والاختلاس فيها هين يسير، فحين يبخس في الميزان ولو بجزء قليل، إنما يأخذ لنفسه في آخر الأمر جزءا كبيرا. وأنت ساعة تكيل وتزن وتطفف فأنت تفعل ذلك في من يشتري. وستذهب أنت بعد ذلك لتشتري من أناس كثيرين سيفعلون مثلما فعلت، فإذا ما وفيت الكيل والميزان، فأنت تفعل ما هو في مصلحتك، لأنك تنشر العدل السلوكي بين الناس بادئا بنفسك، ومصالحك كلها مع الآخرين.
إنك حين تبيع أي سلعة ولو كانت بلحا وتنقص في الميزان، ستحقق لنفسك ربحا ليس لك فيه حق، وإن كنت تكيل قمحا لتبيعه وأنقصت الكيل، فأنت تأخذ ما ليس لك، والقمح والبلح هما بعض من مقومات حياتك لأنك تحتاج إلى سلع كثيرة عند من يزن، وعند من يكيل، فإن أنقصت الميزان أو الكيل فلسوف يفعلون مثلما فعلت فيما يملكون لك، وبذلك تخسر أنت ويصبح الخسران عاما. ﴿ فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ [الأعراف: 85]. وإذا كانت الخسارة في الكيل والميزان طفيفة ومحتملة، فمن باب أولى ألا نبخس الناس أشياءهم فلا نظلمهم بأخذ أموالهم والاستيلاء على حقوقهم، فلا نسرق لأن السارق يأخذ ما تصل إليه يده، ولا نغتصب، ولا نختلس، ولا نرتشي، لأنه إذا كان وفاء الكيل هو أول مطلوب الله منكم مع أن الخسارة فيه طفيفة، إذن فبخس الناس أشياءهم يكون من باب أولى. ويتابع سبحانه: ﴿ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ﴾ [الأعراف: 85]. وبذلك نكون أمام أكثر من أمر جاء بها نبي الله شعيب: ﴿ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ﴾ وهذه العبادة لتربي فيهم مهابة وتزيدهم حبا واحتراما للآمر الأعلى، وكذلك ليخافوا من جبروته سبحانه. وبعد ذلك ضرورة يكون الأمر بالوفاء بالكيل والميزان، والزجر عن أن يبخسوا الناس أشياءهم، ثم النهي والتحذير من الإفساد في الأرض ﴿ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ﴾ ، والإصلاح الذي يطلبه الله منا أن نستديمه أو نرقيه إنما يتأتى بإيجاد مقومات الحياة على وجه جميل. مثال ذلك الهواء وهو العنصر الأول في الحياة المسخرة لك يصرفه سبحانه حتى لا يفسد. والنعيم الثاني في الحياة وهو الشراب إنه سبحانه ينزل لك الماء من السماء، ثم القوت الذي يخرجه لك من الأرض. والمواشي التي تأخذ منها اللبن، والأوبار، والأصواف، والجلود، كل ذلك سخره الله لك، وهذا إصلاح في الأرض، لكن هل هذه كل المقومات الأساسية؟ لا لأنه إن وجدت كل هذه المقومات الأساسية ثم وجد الغصب، والسرقة، والرشوة، والاختلاس، فسيفسد كل شيء، ولا يعدل كل ذلك ويقيمه ويجعله سويا إلا الدين لأنه كمنهج يمنع الإفساد في الأرض. ﴿ قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جآءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ﴾ [الأعراف: 85]. إذن فهذه الأشياء التي هي إيفاء الكيل والميزان يأتي الأمر بها، ثم يتبعها بما ينهى عنه وهو ألا نبخس الناس أشياءهم وألا نفسد في الأرض بعد إصلاحها، كل ذلك يجمع المنهج. أوامر ونواهي، وقد يبدو في ظاهر الأمر أنها مسائل تقيد حرية الإنسان، فنقول: لا تنظر إلى نفسك أيها الإنسان وأنت بمعزل عن المجتمع الواسع، فأنت لا تملك من مصالحك إلا أمرا واحدا، وهذا الأمر الذي تملكه أنت من مصالحك يكون أقل الأشياء عندك، ولكن الأمور الأخرى التي تحتاج إليها هي بيد غيرك، فإن أنت وفيت الكيل والميزان.