تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.106

وهكذا يواجه فرعون موسى سائلا إياه أن يظهر الآية إن كان من الصادقين، إذن ففرعون يعتقد أن لله آيات تثبت صدق الرسول بدليل أنه قال له: هاتها إن كنت من الصادقين. ويكشف موسى عليه السلام الآية: ﴿ فألقى عصاه فإذا... ﴾.

7.107

وهذا الإلقاء كان له سابق تجربة أخرى حينما خرج مع أهله من مدين ورأى نارا وبعد ذلك قال لأهله:

امكثوا إني آنست نارا..

[طه: 10]. ثم سمع خطابا:

وما تلك بيمينك يموسى * قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى

[طه: 17-18]. وحين يقال له: ﴿ وما تلك بيمينك يموسى ﴾ ، كان يكفي أن يقول في الجواب: عصاي، ولا داعي أن يقول: " هي " ولا داعي أن يشرح ويقول: إنه يتوكأ عليها وأن له فيها مآرب أخرى لأن الحق لم يسأله ماذا تفعل بعصاك، إذن فجواب موسى قد جاوز في الخطاب قدر المطلوب، ويظن البعض أنه كان من الواجب أن يعطي الجواب على قدر السؤال. لكن من يقول ذلك ينسى أنه لا يوجد من يزهد في الأنس بخطاب الله. وحين قال موسى عليه السلام:

هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي..

[طه: 18]. ولقد شعر موسى عليه السلام واستدرك هيبة المخاطب فكان تهافته على الخطاب حبا لأنسه في الله، لكنه حين شعر أنه قارب أن يتجاوز قال: ﴿ ولي فيها مآرب أخرى ﴾ كان من الممكن أن يقول استعمالات كثيرة للعصا. إذن فللعصا أكثر من إلقاء، إلقاء الدربة والتمرين على لقاء فرعون حين أمره الحق:

قال ألقها يموسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى

[طه: 19-20]. فماذا حدث؟ قال له الله:

قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى

[طه: 21]. فساعة خاف، دل على أن ما حدث للعصا ليس من قبيل السحر لأن الساحر حين يلقي عصاه أو حبله يرى ذلك عصا أو حبلا، بينما يرى ذلك غيره حية، ولذلك يقول الحق عن السحرة:

سحروا أعين الناس..

[الأعراف: 116]. وهذا يدل على أن حقيقة الشيء في السحر تظل كما هي في نظر الساحر، لكن موسى أوجس في نفسه خيفة، فهذا يدل على أن العصا انتقلت من طبيعتها الخشبية وصارت حية. وكان من الممكن أن تورق العصا وتخضر على الرغم من أنها كانت غصنا يابسا. ولو حدث ذلك فسيكون معجزة أيضا، ولكن نقلها الله نقلتين: نقلها من الجمادية، وتعدى بها مرحلة النباتية إلى مرحلة الحيوانية. وكأن الحق العليم أزلا يرد على من أراد اللغط في مسألة إلقاء العصا، وقد ظن بعض الجاهلين أن ذلك تكرار في الكلام في قصة واحدة. ولم يلحظوا أن جهة الإلقاء للعصا كانت منفكة، ففي القرآن ثلاثة إلقاءات للعصا: إلقاء التدريب حينما اصطفى الله موسى رسولا وأعلمه بذلك في طور سيناء:

إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني..

[طه: 14]. وبعد ذلك قال له:

وما تلك بيمينك يموسى * قال هي عصاي..

[طه: 17-18]. وإلقاء التدريب على المهمة هدفه طمأنة موسى، حتى إذا ما باشرها أمام فرعون باشرها وهو على يقين أن العصا ستستجيب له فتنقلب حية بمجرد إلقائها، ولو أن الله قال له خبرا " إذا ذهبت إلى فرعون فألق العصا فستنقلب حية " ، فقد لا يطمئن قلبه إلى هذا الأمر.

فأراد الله أن يدربه عليها تدريبا واقعيا، ليعلم أن العصا ستستجيب له حين يلقيها فتنقلب حية، وكان ذلك أول إلقاء لها، أما الإلقاء الثاني فكان ساعة أن جاء لفرعون للإعلام بمهمته أنه رسول رب العالمين، وإعلامه بالبينة، وهو ما نحن بصدده الآن في هذه الآية التي نتكلم بخواطرنا الإيمانية فيها. ثم هناك إلقاء ثالث وهو إلقاء التحدي للسحرة، ولأن لكل إلقاء موقعا فلا تقل أبدا: أن ذلك تكرار. وإنما هو تأسيس لتعدد المواقف والملابسات، فلكل موقف ما يتطلبه، فلا تغني لقطة هنا عن لقطة هناك. ﴿ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ﴾ [الأعراف: 107]. ومرة يقول عن العصا: ﴿ كأنها جآن ﴾. ويقول المشككون في كلام الله من المستشرقين: كيف يقول مرة إنها ثعبان مبين. ثم مرة أخرى يقول: ﴿ فإذا هي حية تسعى ﴾ ، ومرة ثالثة يقول: ﴿ كأنها جآن ﴾. ونقول: إن هناك فارقا بين مختلفات تتناقض، ومختلفات تتكامل، فهي ثعبان مرة، وهي حية مرة ثانية، وهي جان لأن الثعبان هو الطويل الخفيف الحركة، والحية هي الكتلة المخيفة بشكلها وهي متجمعة، والجان هو الحية المرعبة الشكل. فكأنها تمثلت في كل مرة بمثال يرعب من يراه، وكل مرة لها شكل فهي مرة ثعبان، ومرة حية، وثالثة جان، أو تكون ثعبانا عند من يخيفه الثعبان، وتكون حية عند من تخيفه الحية، وتكون جانا عند من يخيفه الجان، ولذلك تجد أن إشاعة الإبهام هو عين البيان للمبهم. ومثال ذلك إبهام الحق لأمر الموت، فلا يحكمه سن، ولا يحكمه سبب، ولا يحكمه زمان، وفي هذا إبهام لزمانه وإبهام لسببه مما يجعله بيانا شائعا تستقبله بأي سبب في أي زمان أو في أي مكان، وهكذا يأتي الإبهام هنا لكي يعطينا الصور المتكاملة، وقال بعض المستشرقين: إن المسلمين يستقبلون القرآن بالرهبة وبالانبهار. ولا يحركون عقولهم لكي يروا المتناقضات فيه، لكن غير المسلم إن قرأ القرآن يتبين فيه أشياء مختلفة كثيرة، قالوا بالنص: " أنتم تعلمون بقضايا اللغة أن التشبيه إنما يأتي لتلحق مجهولا بمعلوم " ، فيقال: أنت تعرف فلانا، فتقول: لا والله لا أعرفه. فيقول لك: هو شكل فلان في الطول، وفي العرض، وفي الشكل، إذن فقد ألحق مجهولا بمعلوم ليوضحه. فكيف يلحق القرآن مجهولا بمجهول، إن هذا لا يعطي صورة مثلما تكلم القرآن عن شجرة الزقوم فقال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٨٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٨٥٨