25 - سورة الفرقان
25.1
﴿ تبارك.. ﴾ [الفرقان: 1] مادة الباء والراء والكاف عادة تدل على البركة، وهي أن يعطيك الشيء من الخير فوق ما تظن فيه ويزيد عن تقديرك، كما لو رأيت طعام الثلاثة يكفي العشرة، فتقول: إن هذا الطعام مبارك أو فيه بركة. ومن معاني تبارك: تعالى قدره و ﴿ تبارك.. ﴾ [الفرقان: 1] تنزه عن شبه ما سواه، وتبارك: عظم خيره وعطاؤه. وهذه الثلاثة تجدها مكملة لبعضها. ومن العجيب أن هذا اللفظ ﴿ تبارك.. ﴾ [الفرقان: 1] معجز في رسمه ومعجز في اشتقاقه، فلو تتعبت القرآن لوجدت أن هذه الكلمة وردت في القرآن تسع مرات: سبع منها بالألف ﴿ تبارك.. ﴾ [الفرقان: 1] ومرتان بدون الألف، فلماذا لم تكتب بالألف في الجميع، أو بدونها في الجميع؟ ذلك ليدلك على أن رسم القرآن رسم توقيفي، ليس أمرا ميكانيكيا، كما في قوله تعالى في أول سورة العلق:
اقرأ باسم ربك الذي خلق
[العلق: 1] فرسم كلمة اسم هنا بالألف، وفي باقي القرآن بدون الألف. إذن: فالقرآن ليس عاديا في رسمه وكتابته، وليس عاديا في قراءته، فأنت تقرأ في أي كتاب آخر على أي حال كنت، إلا في القرآن لا بد أن تكون على وضوء وتدخل عليه بطهر.. الخ ما نعلم من آداب تلاوة القرآن. ومن حيث الاشتقاق نعلم أن الفعل يشتق منه الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل.. الخ، لكن ﴿ تبارك.. ﴾ [الفرقان: 1] لم يذكر منها القرآن إلا هذه الصيغة، وكأنه يريد أن يخصها بتنزيه الله تعالى، مثلها مثل كلمة سبحان لذلك على كثرة ما مر في التاريخ من الجبابرة أرغموا الناس على مدحهم والخضوع لهم، لكن ما رأينا واحدا مهما كان مجرما في الدين يقول لأحد هؤلاء: سبحانك. لذلك نقول في تسبيح الله: سبحانك، ولا تقال إلا لك. مهما اجترأ الملاحدة فإنهم لا ينطقونها لغير الله. إذن: ﴿ تبارك.. ﴾ [الفرقان: 1] تدور حول معان ثلاثة: تعالى قدره، وتنزه عن مشابهة ما سواه، وعظم خيره وعطاؤه، ومن تعاظم خيره سبحانه أنه لا مثيل له: في قدره، ولا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في فعله. وهذا كله من مصلحتنا نحن، فلا كبير إلا الله، ولا جبار إلا الله، ولا غني إلا الله. وسمي القرآن فرقانا لأنه يفرق بين الحق والباطل، وقد نزل القرآن ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فيسير الناس على هدى وعلى بصيرة، فالقرآن إذن فرق لهم مواضع الخير عن مواضع العطب، فالفرقان سائر في كل جهات الدين، ففي الدين قمة هي الحق - تبارك وتعالى - ومبلغ عن القمة هو الرسول صلى الله عليه وسلم، ومرسل إليه هم المؤمنون، فجاء القرآن ليفرق بين الحق والباطل في هذه الثلاثة.
ففي القمة، وجد من ينكر وجود إله خالق لهذا الكون، وآخرون يقولون بوجود آلهة متعددة، وكلاهما على طرفي نقيض للآخر، ليس هناك سيال فكر يجمعهم، فجاء القرآن ليفرق بين الحق والباطل في هذه المسألة، ويقول: الأمر وسط بين ما قلتم: فالإله موجود، لكنه إله واحد لا شريك له، ففرق في مسألة القمة. كذلك فرق في مسألة الرسول وهو بشر من قومه، فلما اعترض بعضهم عليه وحسدوه على هذه المكانة وهو واحد منهم أيده الله بالمعجزة التي تؤيده وتظهر صدقه في البلاغ عن الله، وكانت معجزته صلى الله عليه وسلم في شيء نبغ فيه القوم، وهي الفصاحة والبلاغة والبيان، والعرب أهل بيان، وهذه بضاعتهم الرائجة وتحداهم بهذه المعجزة فلم يستطيعوا. وكذلك فرق في مسألة الخلق من حيث مقومات حياتهم، فبين لهم الحلال والحرام، وفي استبقاء النوع بين لهم الحلال، وشرع لهم الزواج، ونهاهم عن الزنا ليحفظ سلالة الخليفة لله في الأرض. إذن: فرق القرآن في كل شيء: في الإله، وفي الرسول، وفي قوام حياة المرسل إليهم، وما دام قد فرق في كل هذه المسائل فلا يوجد لفظ أفضل من أن نسميه " الفرقان ". ولا شك أن الألفاظ التي ينطق بها الحق - تبارك وتعالى - لها إشعاعات، وفي طياتها معان يعلمها أهل النظر والبصيرة ممن فتح الله عليهم، وما أشببها بفصوص الماس! والذي جعل الماس ثمينا أن به في كل ذرة من ذراته تكسرات إشعاعية ليست في شيء غيره، فمن أي ناحية نظرت إليه قابلك شعاع معكوس يعطي بريقا ولمعانا يتلألأ من كل نواحيه، وكذلك ألفاظ القرآن الكريم. ومن معاني الفرقان التي قال بها بعض العلماء أنه نزل مفرقا، كما جاء في قوله تعالى: