7.170
إن الكثير من بني إسرائيل ورثوا الكتاب، وأخذوا العرض الأدنى، ولم يزنوا الأمور بعقولهم لذلك لم يتمسكوا بالكتاب، وتركوه، وساروا على هواهم كأنهم غير مقيدين بمنهج افعل كذا ولا تفعل كذا، ويقابلهم بعض الذين يتمسكون بالكتاب الذي ورثوه، ولا يقولوا على الله إلا الحق. ومادة الميم والسين والكاف تدل على الارتباط الوثيق فالذي يجعل الانسان متصلا بالشيء هو ماسكه، وتقول: " مسك " وتقول: " مسك " ، و " أمسك " ، وتقول " استمسك " ، و " تماسك " ، وكلها مادة واحدة. وقوله الحق: " يمسكون " مبالغة في المسك، كل قطع وقطع، ولكن قطع أبلغ. و " مسك " يعني أن الماسك تمكن مما يمسك، و " استمسك " أي طلب، و " تماسك " أي أن هناك تفاعلا بين الاثنين بين الماسك والممسوك. ومن رحمة ربنا أنه لا يطلب منا أن نمسك الكتاب. بل يطلب أن نستمسك بالكتاب، ولذلك يوضح لك الحق سبحانه وتعالى: إن أنت ملت إلى القرب مني والزلفى إلي، فاترك الباقي عنك فالمعونة مني أنا، ولذلك يدلنا على أن من ينفذ منهج القرآن لا يلقى الهوان أبدا ﴿ فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ﴾ وهنا يستخدم الحق سبحانه كلمة استمسك لا كلمة مسك، فمن وجه نيته في أن يفعل يعطيه الله المعونة، ولذلك يقول سبحانه في الحديث القدسي:
" أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلي بشبر، تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي، أتيته هرولة. "
فأنت بإيمانك بالله تعزز نفسك وتقويها بمعونه الله لك. فإن أردت أن يذكرك الله فاذكر الله فإن ذكرته في نفسك يذكرك في نفسه، وإن ذكرته في ملأ يذكرك في ملأ خير منه، وإن تقربت إليه شبرا تقرب إليك ذراعا، فماذا تريد أكثر من ذلك، خاصة أنك لن تضيف إليه شيئا، إذن فالموقف في يدك، فإذا أردت أن يكون الله معك فسر في طريقه تأت لك المعونة فورا. وهكذا يكون الموقف معك وينتقل إليك، وذلك بإيمانك بالله وإقبالك على حب الارتباط به. ولذلك قلنا من قبل: إن الانسان إذا أراد أن يلقى عظيما من عظماء الدنيا وفي يده مصلحة من مصالح الإنسان فهو يكتب طلبا، فإما أن يوافق هذا العظيم وإما ألا يوافق، وحين يوافق هذا العظيم يحدد الزمان ويحدد المكان، ويسألك مدير مكتبه عن الموضوعات التي ستتكلم فيها، وحين تقابله وينتهي الوقت، فهو يقف من كرسيه لينهي المقابلة، هذا هو العظيم من البشر، لكن ماذا عن العظيم الأعظم الأعلى الذي تلتقي به في الإيمان؟ أنت تلقى الله في أي وقت، وفي أي مكان، وتقول له ما تريد، وأنت الذي تنهي المقابلة، ألا يكفي كل ذلك لتستمسك بالإيمان؟.
﴿ والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين ﴾ [الأعراف: 170]. والكتاب هنا هو الكتاب الموروث، والمقصود به التوراة وهو الذي درسوا ما فيه، وقد أخذ الله في هذا الكتاب الميثاق عليهم ألا يقولوا على الله إلا الحق، والحق يقول هنا: ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ فهل هذا الكتاب ليس فيه إلا الصلاة؟ لا، ولكنه خص الصلاة بالذكر. لأننا نعلم أن الصلاة عماد الدين، وعرفنا في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أن الصلاة قد فرضت بالمباشرة، وكل فروض الإسلام - غير الصلاة - قد فرضت بالوحي. لقد قلنا من قبل ولله المثل الأعلى، إن رئيس أي مصلحة حكومية حين يريد أمرا عاديا روتينيا، فهو يوقع الورق الذي يحمل هذا الأمر ويكتب عليه: " يعرض على فلان " ويأخذ الورق مجراه، وحين يهتم بأمر أكثر، فهو يتحدث تليفونيا إلى الموظف المختص، وحين يكون الأمر غاية في الأهمية القصوى فهو يطلب من الموظف أن يحضر لديه، وهكذا فرضت الصلاة بهذا الشكل لأنها الإعلان الدائم للولاء لله خمس مرات في اليوم، وإن شئت أن تزيد على ذلك تنفلا وتهجدا فعلت. إنك بالصلاة توالى الله بكل أحكامه، إنك توالي الله بالزكاة كل سنة، وبالصوم في شهر واحد هو رمضان، وبالحج مرة واحدة في العمر إن استطعت. لكن الصلاة ولاء دائم متجدد، ولأن الصلاة لها كل هذه الأهمية لذلك لا تسقط أبدا. وأركان الإسلام - كما نعلم - خمسة شهادة أن لا إله إلا اله وأن محمدا رسول الله، إنها الإيمان بالله وبالرسول كوحدة واحدة لا تنفصل، ويكفي أن ينطقها الإنسان مرة لتكتب له، ثم تأتي أركان الصلاة، والزكاة، والصوم والحج، والحج ليس ركنا مفروضا إلا على من يستطيعون. قد لا يكون للإنسان مال يخرج عنه الزكاة فلا يجب عليه إخراج شيء حينئذ، وقد يكون الإنسان مريضا أو مسافرا فلا يصوم. إذن فبعض فروض الإسلام قد تسقط عن المسلم، إلا الصلاة فهي لا تسقط أبدا لأن في الصلاة في ظاهر الأمر قطعا لبعض الوقت عن حركة عملك، وإن كان كل فرض يأخذ مثلا نصف ساعة، فالإنسان يقتطع من وقته ساعتين ونصف الساعة كل يوم في أداء الصلاة. والوقت عزيز عند الإنسان. ففي الصلاة بذل لبعض الوقت الذي يستطيع أن يكسب الإنسان فيه مالا، وفيها أيضا الصوم عن الأكل والشرب ومباشرة الزوجات، ففيها كل مقومات أركان الإسلام، لذا فهي لا تسقط أبدا.