تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.197

لأن الذي لا يستطيع نصرك. يجوز أن يكون ضنينا بنصرتك لأن حبه لك حب رياء، أو لأنه يرغب في أن يحتفظ بما ينصرك به لنفسه، أما حين يكون غير قادر على نصرتك لأنه لا يملك أدوات النصر، فهذا يبين عجز وقصور من اتخذته وليا، وهكذا كان حال المشركين. وفي يوم الفتح جاء المسلمون بالمعاول وكسرت الأصنام، ولم يقاوم صنم واحد. بل تكسرت كلها جميعا. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا... ﴾.

7.198

وبطبيعة الحال لو أن أحدا دعا هذه الأصنام إلى الهداية فلن تهتدي الأصنام لأنها من الجماد الذي لا تصلح معه دعوة أو فهم. رغم أن الصنم منها له عيون كالتي تراها حاليا في معابد الهندوس أو البوذيين، حين يضعون للتماثيل في مكان حدقة العين خرزا ملونا يشبه العين، وتوجه الحدقة بميلها وكأنه ينظر إليك وهو لا يرى شيئا. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف... ﴾.

7.199

وهذه آية جمع فيها المولى سبحانه وتعالى مكارم الأخلاق. وبعد أن أبلغ الحق تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يدعو المشركين لأن يكيدوا له مع شياطينهم وأصنامهم ولن يستطيعوا. وبعد ذلك يوضح له: أنا أحب أن تأخذ بالعفو، وفي هذا تعليم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن يتبعه، وكلمة " العفو " ترد على ألسنتنا، ونحن لا ندري أن لها معنى أصيلا في اللغة. وقد يسألك سائل: من أين أتيت بهذا الشيء؟ فتقول له: جاءني عفوا، أي بدون جهد، وبدون مشقة، وبدون سعي إليه ولا احتيال لاقتنائه. ويقال أيضا: إن هذا الشيء جاء لفلان عفو الخاطر، أي لم يفكر فيه، بل جاء ميسرا. هذا هو معنى العفو. والحق هنا يأمر رسوله عليه الصلاة والسلام أن يأخذ العفو، أي أن يأخذ الأمر الميسر السهل، الذي لا تكلف فيه ولا اجتهاد لأنك بذلك تسهل على الناس أمورهم ولا تعقدها، أما حين تتكلف الأشياء، فذلك يرهق الناس، ولذلك يأمر الحق رسوله أن يقول:

قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من المتكلفين

[ص: 86]. وقوله: ﴿ ومآ أنآ من المتكلفين ﴾ أي أنه صلى الله عليه وسلم لا يتكلف الأمور حتى تصير الحياة سهلة ولا يوجد لدد بين الناس لأن الذي يوجد اللدد هو التكلف وقهر الناس، ويجب أن تقوم المعاملة فيما بينهم بدون لدد أو تكلف. ولذلك يقال: إن المؤمن هو السمح إذا باع، والسمح إذا اشترى، والسمح إذا اقتضى، والسمح إذا اقتضي منه: أي أنه في كل أموره سمح. وللأمر بأخذ " العفو " معنى آخر وهو أن تعفو عمن ظلمك لأن ذلك ييسر الأمور. والعفو أيضا له معنى ثالث، هو الأمر الزائد، مثل قوله الحق تبارك وتعالى من قبل أن تفرض الزكاة:

ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو

[البقرة: 219]. ثم حدد الحق بعد ذلك الزكاة وأوجه إنفاقها، ونلحظ أن الأمر بالإنفاق من قبل أن تفرض الزكاة، والإنفاق بعد أن نزل الأمر بالزكاة يلتقيان في السهولة لأن المؤمن لا ينفق مما يحتاجه. بل من الزائد عن حاجته. وقول الله سبحانه وتعالى في الآية " خذ العفو " فيه أمر " خذ " ومقابله " أعط " وقد تعطي إنسانا فلا يأخذ منك إن رأى أن ما تعطيه له ليس في مصلحته، لكن إذا قال الحق تبارك وتعالى: " خذ " فهذا أمر يعود نفعه عليك، فإن كان العفو عمن ظلمك في ظاهر الأمر ينقصك شيئا، فاعلم أنك أخذت العفو لنفسك. واعلم أن الحق سبحانه وتعالى يحب من عبده المؤمن أن يكون هينا لينا مع إخوانه من المؤمنين.

فإن عز عليه أخوه المؤمن فليهن له، فإن تعالى أو تعالم أخ مسلم عليك، فلا تتعال عليه أو تتعالم حتى لا تقوم معركة بينكما، بل تواضع أنت، ليزيدك الله رفعة وعزة. وكأن الله سبحانه وتعالى يؤكد لك: أنك حين تعطي العفو تأخذ الخير من خلاله. ودائما أضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - أنت حين تدخل إلى منزلك وتجد ابنا لك قد أساء إلى أخيه فيتجه قلبك وحنانك إلى المظلوم. ونحن عيال ربنا، فإن ظلم واحد آخر، فالظالم بظلمه يجعل الله في جانب المظلوم، ولذلك يحتاج الظالم إلى أن نحسن إليه حيث كان سببا في رعاية الله لنا فنفعل معه مثلما فعل سيدنا حسن البصري عندما قيل له: إن فلانا اغتابك بالأمس. ونادى سيدنا حسن البصري الخادم وقال له: جاءنا طبق من باكورة الرطب. اذهب به إلى فلان - وحدد للخادم اسم من اغتابه - وتعجب الخادم: كيف تبعث بالرطب إليه وهو قد اغتابك؟ فقال: أفلا أحسن إلى من جعل الله بجانبي، قل له: " يقول لك سيدي بلغه أنك قد اغتبته فأهديت إليه حسناتك، وهو أهداك رطبه ". ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾ [الأعراف: 199]. وتتناول الآية الكريمة الأمر بالعرف: والعرف هو السلوك الذي تعرف العقول صوابه، وتطمئن إليه النفوس، ويوافق شرع الله، ونسميه العرف لأن الكل يتعارف عليه، ولا أحد يستحيي منه، لذلك نسمع في شتى المجتمعات عن بعض ألوان السلوك: هذا ما جرى به العرف. وما يجري به العرف عند المجتمعات المؤمنة يعتبر مصدرا من مصادر الأحكام الشرعية. وخير مثال على ذلك: أننا نجد الشاب لا يخجل من أن يطرق باب أسرة ليطلب يد ابنتها، لأن هذا أمر متعارف عليه ولا حياء منه، بينما نجد المجتمع المسلم يستحي أن يوجد بين أفراده إنسان يزني، والغاية من الزنا الاستمتاع، والغاية من طلب يد الفتاة هو الاستمتاع، لكن هناك فارق كبير بين متعة يحرمها الله عز وجل، ومتعة يحلها الله تعالى. وفي نهاية الآية يقول الله تعالى: ﴿ وأعرض عن الجاهلين ﴾ [الأعراف: 199]. وكيف يكون الإعراض عن الجاهلين؟. يخطئ من يظن أن الجاهل هو الذي لا يعلم، لأن من لا يعلم هو الأمي، أما الجاهل فهو من يعلم قضية تخالف الواقع. ونلحظ أن المشكلات لا تأتي من الأميين الذي لا يعلمون، فالأمي من هؤلاء يصدق أي قضية تحدثه عنها وتكون مقبولة بالفطرة لأنه لا يملك بديلا لها، أما الجاهل فهو من يعلم قضية مخالفة للواقع ويحتاج إلى تغيير علمه بتلك القضية، والخطوة الثانية أن تقنعه بالقضية الصحيحة. والحق هنا يوضح: أعرض عن الجاهل الذي يعتقد قضية مخالفة للواقع ويتعصب لها، وأنت حين تعرض عن الجاهل، يجب ألا تماريه، أي لا تجادله لأن الجدل معه لن يؤدي إلى نتيجة مفيدة لذلك أقول لكل من يواجه قضية التدين ولم يقرأ عن الدين كتابا واحدا، وقرأ في كتب الانحراف عن الدين المئات، أقول له: كما قرأت فيما يناهض الدين مئات الكتب فمن الحكمة يجب عليك أن تكون عادلا ومنصفا فتقرأ في مجال التدين بعض الكتب الخاصة به مثلما قرأت في غيرها.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩٧٠