7.33
والحق سبحانه - قد بدأ الآية ب " إنما " التي هي للحصر: أي ما حرم ربي إلا هذه الأشياء، الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم، والبغي بغير الحق، والشرك بالله، والقول على الله ما لا نعلم، فلا تدخلوا أشياء أخرى وتجعلوها حراما، لأنها لا تدخل في هذه، وقول الله في الآية السابقة: ﴿ قل من حرم زينة الله ﴾ هوعلى صيغة استفهام لكي يجيبوا هم. ولن يجدوا سببا لتحريم زينة الله لأن الحق قد وضح وبين ما حرم فقال: ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ [الأعراف: 33]. ونتأمل الخمسة المحرمات التي جاءت بالآية فحين ننظر إلى مقومات حياة الخلافة في الأرض ليبقى الإنسان خليفة فيها نرى أنه لا بد من صيانة أشياء ضرورية لسلامة هذه الخلافة وأداء مهمتها، وأول شيء أن يسلم للمجتمع طهر أنسابه. وسلامة طهر الأنساب أي الإنجاب والأنسال ضرورية للمجتمع لأن الإنسان حين يثق أن ابنه هذا منه فهو يحرص عليه لأنه منسوب إليه، ويرعاه ويربيه. أما إذا تشكك في هذه المسألة فإنه يهمله ويلفظه، كذلك يهمله المجتمع، ولا أحد يربيه ولا يلتفت إليه ولا يعنى به. إذن فسلامة الأنساب أمر مهم ليكون المجتمع مجتمعا سليما، بحيث لا يوجد فرد من الأفراد إلا وهو محسوب على أبيه، بحيث يقوم له بكل تبعات حياته، ولذلك يجب أن تعلموا أن الأطفال المشردين مع وجود آبائهم حدث من أن شكا طرأ على الأب في أن هذا ليس ابنه. ولذلك ماتت فيه غريزة الحنان عليه، فلا يبالي إن رآه أم لم يره، ولا يبالي أهو في البيت أم شرد، لا يبالي أكل أم جاع، لا يبالي تعرى أم لا. إذن فطهارة الأنساب ضمان لسلامة المجتمع لأن المجتمع سيكون بين مرب يقوم على شأن وصغير مربى، المربي قادر على أن يعمل، والمربى صغير يحتاج إلى التربية. ولذلك حرم الله الفواحش. والفحش - كما قلنا- ما زاد قبحه، وانتهوا على أنه هو الزنا لأن أثره لا يتوقف فقط عند الذنب والاستمتاع. بل يتعدى إلى الأنسال. وما تعدى إلى الأنسال فهو تعد إلى المجتمع، ويصير مجتمعا مهملا لا راعي له. والإثم: أهو كل كبيرة أو ما يقام على فاعله حد؟. لقد انتهى العلماء على أن الإثم هو الخمر والميسر لأن الله قال بالنص:
وإثمهمآ أكبر من نفعهما..
[البقرة: 219]. وأراد الحق بذلك أن يضمن مقوم تنظيم حركة الحياة في الإنسان وهو العقل وأن الخمر تغيب العقل، والإنسان مطالب بأن يحفظ عقله ليواجه به أمور الحياة مواجهة تبقى الصالح على صلاحه أو تزيده صلاحا ولا تتعدى على الإنسان.
فإذا ما ستر العقل بالخمر فسد واختل، ويختل بذلك التخطيط لحركة الحياة. والذين يأتون ويشربون ويقولون: نريد أن ننسى همومنا نقول لهم: ليس مراد الشارع أن ينسى كل واحد ما أهمه لأنه إن نسي كل واحد ما أهمه فلن يحتاط أحد ولن يقوم على تقدير الأمور التي تضمن السلامة. إن الشارع يطلب منك أن تواجه الهموم التي تعاني منها بعقل مضاعف لتزيلها. أما أن تستر العقل فأنت قد هربت من المشكلة، إذن يجب عليك أن تواجه مشكلات الحياة بعقلك وبتفكيرك. فإن كانت المشكلة، قد نشأت من أنك أهملت في واجب سببي أي له أسباب وقد قصرت في الأخذ بها فأنت الملوم. وإن كانت المشكلة جاءتك من أمر ليس في قدرتك، أي هبطت عليك قضاء وقدرا فاعلم أن مجريها عليك له فيها حكمة. وقد يكون البلاء ليحيمك الله من عيون الناس فيحسدوك عليها، لأن كل ذي نعمة محسود، وحتى لا تتم النعمة عليك لأن تمام النعمة على الإنسان يؤذن بزوالها، وأنت ابن الأغيار وفي دنيا الأغيار، وإن تمت النعمة لك فقد تتغير النعمة بالنقصان. إذن فالتفكير في ملافاة الأسباب الضارة وتجنبها يأتي بالعقل الكامل، والتفكير في الأشياء التي ليس لها سبب يأتي من الإيمان، والإيمان يطلب منك أن ترد كل شيء إلى حكمة الحكيم. إذن فأنت تحتاج إلى العقل فلا تستره بشرب الخمر لأن العقل يدير حركة الحياة. البغي نعرف انه مجاوزة الحد ظلما أو أكبر، أو بخلا. والظلم أن تأخذ حق غيرك وتحرمه من ثمرة عمله فيزهد في العمل لذلك يحرم الحق أن يبغي أحد على أحد. لا في عرضه، ولا في نفسه، ولا في ماله. ويجب أن نصون العرض من الفواحش لأن كل فاحشة قد تأتي بأولاد من حرام. وإن لم تأت فهي تهدر العرض، والمطلوب صيانته، كذلك لا يبغي أحد على محارم أحد، وكذلك لا يبغي أحد على حياة إنسان بأن يهدمها بالقتل. ويصون الحق المال فيمنع عنه البغي فلا يأخذ أحد ثمرة عمل آخر وكفاحه عدوانا وظلما، ومظاهر البغي كثيرة. ومن البغي أن تأخذ سلطة قسرا بغير حق ولكن هناك من يأخذ سلطة قسرا وقهرا بحق، فإن كنت - على سبيل المثال - تركب سفينة، ثم قامت الرياح والزوابع، وأنت أمهر في قيادتها أتترك الربان يقودها وربما غرفت بمن فيها أم تضرب على يده وتمسك بالدفة وتديرها لتنقذها ومن فيها، إنك في هذه الحالة تكون قد أخذت القيادة بحق صيانة أرواح الناس، وهذا بغي بحق، وهو يختلف عن البغي بغير الحق. وحتى نفرق بين البغي بحق والبغي بغير الحق نقول.