" ما تقولون في ابن سلام؟ "
فأخذوا يكيلون له المديح وقالوا فيه أحسن الكلام. وهنا قال ابن سلام: " الآن أقول أمامكم، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله " ، فأخذوا يسبون ابن سلام فقال ابن سلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم أقل إن يهود قوم بهت؟ ونعلم أن الذين كانوا يفرحون من أهل الكتاب بما ينزله الحق سبحانه على رسول الله صلى الله عليه وسلم من وحي هم أربعون شخصا من نصارى نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من اليمن. ونعلم أن الذين أنكروا دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ينهون بعضهم البعض عن سماع القرآن وينقل القرآن عنهم ذلك حين قالوا:
لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون
[فصلت: 26]. وهذا يعني أنهم كانوا متأكدين من أن سماع القرآن يؤثر في النفس بيقظة الفطرة التي تهفو إلى الإيمان به. أما من عندهم علم بالكتب السابقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم يعلمون خبر بعثته وأوصافه من كتبهم. يقول الحق سبحانه:
الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم..
[البقرة: 146]. ويقول أيضا:
فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين
[البقرة: 89].
14 - سورة ابراهيم
14.1
هكذا يستهل الحق سبحانه هذه السورة بالحروف المقطعة " ألف " " لام " " راء " ، وسبق أن قلنا: إنها حروف توقيفية بلغها رسول الله لنا كما سمعها من جبريل عليه السلام. إلا أن الملاحظ أن هذه الحروف التوقيفية المقطعة لم تأت وحدها في هذه السورة كآية منفصلة مثل قوله في أول سورة ق:
ق
[ق: 1]. وهي آية بمفردها، وكما جاء في غير ذلك من السور بحروف مقطعة وأثبتها كآيات. وهنا تأتي الحروف التوقيفية المقطعة كجزء من الآية. ويقول الحق سبحانه: ﴿ الر كتاب أنزلناه إليك.. ﴾ [إبراهيم: 1]. كلمة " كتاب " إذا أطلقت انصرف معناها إلى القرآن فهو يسمى كتابا ويسمى قرآنا، ويسمى تنزيلا، وله أسماء كثيرة. وكلمة " كتاب " تدل على أنه مكتوب، وكلمة " قرآن " تدل على أنه مقروء، وهذان الاسمان هما العمدة في أسماء القرآن لأنه كتاب مكتوب ومقروء. فكان الصحابي الذي يجمع القرآن لا يكتب آية إلا إذا وجدها مكتوبة، ووجدها مقروءة عن اثنين من الصحابة فالقرآن كتاب يملك الدليل على كتابته من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مقروء كما تدل كلمة " قرآن ". وقوله الحق: ﴿ أنزلناه إليك.. ﴾ [إبراهيم: 1]. يدل على أنه جاء من علو. ويقول الحق سبحانه في موقع آخر عن القرآن:
ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين
[النحل: 89]. ويقول في موقع آخر:
وبالحق أنزلناه وبالحق نزل..
[الإسراء: 105]. ومرة يسند النزول إلى من جاء به ومرة ينسب النزول إلى الكائن الذي أرسله الحق بالقرآن إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وهو جبريل عليه السلام. فقوله: ﴿ أنزلناه.. ﴾ [إبراهيم: 1] للتعدي من منطقة اللوح المحفوظ ليباشر مهمته في الوجود، وعلية إنزال القرآن إليك يا محمد هي: ﴿ لتخرج الناس من الظلمات إلى النور.. ﴾ [إبراهيم: 1]. ونلحظ هنا أن القرآن نزل للناس كافة، ولم يقل الحق سبحانه ما قاله للرسل السابقين على رسول الله حيث كانت رسالة أي منهم محددة بقوم معينين، مثل قوله تعالى:
وإلى عاد أخاهم هودا..
[الأعراف: 65]. وقوله الحق:
وإلى مدين أخاهم شعيبا..
[الأعراف: 85]. وكذلك قوله سبحانه لموسى:
ورسولا إلى بني إسرائيل..
[آل عمران: 49]. وهكذا كان كل رسول إنما يبعثه الله إلى بقعة خاصة، وإلى أناس بعينهم، وفي زمن خاص، إلا محمدا صلى الله عليه وسلم فقد بعثه الله إلى الناس كافة. والمثل أمامنا حين حكم صلى الله عليه وسلم بالحق بين مسلم ويهودي وأنصف اليهودي: لأن الحق كان معه والحق عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أعز عليه ممن ينتسب إلى الإسلام.