50 - سورة ق
50.1
سبق أن تحدثنا عن الحروف المقطعة في أوائل بعض سور القرآن، وهنا نكتفي بالإشارة إلى أن هذه الحروف المقطعة مثل ق تمثل جانب الغيب في القرآن، والغيب هو محك الإيمان كما بينا. فالفلاح الأمي مثلا يستخدم التليفزيون ويتنقل بين قنواته دون أن يعرف كيف يعمل وكيف ينتقل من قناة إلى أخرى، فهو يستفيد به دون معرفة بكيفية عمله، كذلك يستخدم رافعة المياة الطلمبة، وهو لا يعرف ميكانيكية عملها. كذلك نحن مع الحروف المقطعة هذه نؤمن بها وندع معانيها لقائلها سبحانه. والدين ينقسم إلى عناصر ثلاثة: عقائد تعمر القلوب، وعبادات وتكاليف هي عمل الجوارح، ثم الكلام الذي ينقل هذه الأمور كلها وهو مهمة اللسان أي التعبير. وكل من العقائد والتكاليف والتعبير فيه غيب ومشهد، فالله غيب، لكن آثار قدرته في الكون مشهد، والصلاة من حيث ترددك على المسجد خمس مرات وما فيها من ركوع وسجود وحركات مشهد، لكن عدد ركعاتها غيب. فكأن الحق سبحانه يعطينا الغيب في هذه الأشياء ليختبر فينا حقيقة الإيمان، فما علمته دليل على صدق ما لم تعلمه. كذلك الحال في حروف القرآن الكريم وآياته، فآيات القرآن على وجه العموم نفهمها ونعرف معانيها، لكن الحروف المقطعة هي الغيب الذي يجب علينا أن نؤمن به حتى ولو لم نعرف معناه، وتبقى هذه الحروف دليل إعجاز القرآن. فقوله تعالى: ﴿ ق والقرآن المجيد ﴾ [ق: 1] جمعت بين الاثنين، الغيب في ق والمشهد في ﴿ والقرآن المجيد ﴾ [ق: 1] وهما المكونان للقرآن الكريم ق دليل الإعجاز ﴿ والقرآن المجيد ﴾ [ق: 1] إذن: أتى بالدليل والمستدل عليه. وق تحمل معنى القسم، وهي حرف واحد كما أقسم الله بالشيء الواحد، فقال:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر
[العصر: 1-2] وقال:
والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى
[النجم: 1-2]. كما يقسم بالحرفين مثل يس، طه، حم، وكذلك يقسم بشيئين من مخلوقاته مثل:
والضحى * والليل إذا سجى
[الضحى: 1-2] ويقسم بثلاثة أحرف مثل الم، وبثلاثة أشياء مثل:
والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتليت ذكرا
[الصافات: 1-3]. ويقسم بأربعة في
المص
[الأعراف: 1] وفي
والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد الأمين
[التين: 1-3] كما يقسم بخمسة أحرف في
كهيعص
[مريم: 1] وفي قوله سبحانه
والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور * والبيت المعمور * والسقف المرفوع * والبحر المسجور
[الطور: 1-6]. إذن: جاء هذا القسم على خمسة أضرب من الواحد إلى خمسة، ولم يزد على ذلك حتى لا يكون القسم ثقيلا على اللسان، ولأن أقصى ما يمكن في الكلمة المجردة خمسة أحرف، لكن في القسم بآياته الكونية زاد على ذلك. اقرأ:
والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها * والنهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها * والسمآء وما بناها * والأرض وما طحاها * ونفس وما سواها
[الشمس: 1-7]. ولو فعل مثل ذلك في القسم بالحروف لخرج عن بنية الكلمة في اللغة. ونلاحظ أيضا أن القسم بالحروف المقطعة لم يأت إلا في أوائل السور، أما القسم بالآيات الكونية فيأتي في أولها كما رأينا، وياتي في خلالها كما في قوله تعالى:
كلا والقمر * والليل إذ أدبر * والصبح إذآ أسفر
[المدثر: 32-34]. ثم إن القسم بالحروف المقطعة لا يأتي بالواو، إنما تأتي واو القسم مع الآيات الأخرى التي تفهم معناها، وهنا يقول: ﴿ ق والقرآن المجيد ﴾ [ق: 1] ولم يقل وق لأن الواو حرف، وق حرف، فيحدث بينهما لبس، هذه من إعجازات القرآن التي ينبغي أن نقف عندها وقفة تأمل. والتصديق بهذه الغيبيات هو الذي يثبت صدق الإيمان، وإلا فما الميزة في أن تكون كل آيات القرآن مفهومة معلومة المعنى والمراد؟ ما الميزة في أن تكون كل أمور الدين معلومة لنا خاضعة للقياس العقلي وعليها دليل؟ وسبق أن أوضحنا أن المشهد والإيمان بالمشهد أمر عادي الكل يؤمن به، المهم أن تؤمن بما غاب عنك ثقة منك فيمن أبلغك به. هب أنك ذهبت إلى الطبيب وبعد أن فحص حالتك كتب لك الدواء، بالله هل تناقشه لم كتبت كذا؟ ولم كتبت كذا؟ إنك لا تناقشه لأنك ذهبت إليه مختارا، ذهبت إليه وأنت تثق به ومستعد لأن تنفذ تعلمياته وتتناول الدواء الذي وصفه لك وأنت لا تعرف شيئا عنه. فإذا كنت تثق بالطبيب وهو إنسان مثلي ومثلك وعرضة للخطأ، فما بالك بالله؟ ألا تثق في كلامه؟ ولأهمية الإيمان بالغيب مدح الله المؤمنين به، فقال: