تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد انتبه العلماء لذلك واكتشفوا حاسة اسمها حاسة العضل لأنك حين تحمل شيئا قد تجهد العضلة أكثر إن كان الحمل ثقيلا. وحينما ترى واحدا من قريب وواحدا من بعيد، فهذه اسمها حاسة البعد، وكذلك حاسة البين وهي التي تميز بها سمك القماش مثلا. كل الحواس - إذن - تربي المعاني عند الإنسان وحين تربي المعاني في النفس الإنسانية تتكون القضايا التي تستقر في القلب. ولذلك يمتن الحق سبحانه وتعالى على خلقه بأنه علمهم فقال تعالى:

والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون

[النحل: 78]. ونعود إلى قول الحق تبارك وتعالى: ﴿ لهم قلوب لا يفقهون بها ﴾ [الأعراف: 179]. والفقه هو الفهم ويصير الفهم قضية مرجحة انتهى إليها الاقتناع من المرائي والمحسات، لكن هؤلاء الكافرين لا يرون بأعينهم إلى هواهم، وكذلك لا تسمع آذانهم إلا ما يروق لهم، فلا يستمعون إلى هدى، ولا يلتفتون إلى الآيات التي يستدلون بها على الخالق فتعيش قلوبهم بلا فقه، فهم إذن لهم قلوب وأعين وآذان بدليل أنهم فقهوا بها وسمعوا بها ورأوا بها الأشياء التي تروق لانحرافهم. ويصف الحق تبارك وتعالى هؤلاء فيقول: ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ﴾ [الأعراف: 179]. وهنا وقفة لإثارة سؤال هو: ما ذنب الأنعام التي يشبه بها الكفار؟ إن الأنعام غير مكلفة وليس لأي منها قلب يفقه أو عين تبصر آيات الله أو آذان تسمع بها آيات الله هي فقط ترى المرعى فتذهب إليه، وترى الذئب فتفر منه، وتتعود على أصوات تتحرك بها، وكافة الحيوانات تحيا بآلية الغريزة ويهتدي الحيوان إلى أموره النافعة له وإلى أموره الضارة به بغريزته التي أودعها الله فيه، لا بعقله. والإنسان منا لا يبتعد عن الضرر إلا حين يجربه ويجد فيه ضررا. لكن الحيوان يبتعد عن الضر من غير تجربة بل الغريزة، لأن الحيوان ليس له عقل وكذلك ليس له قدرة اختيار بين البديلات، وفطره الله على غريزة تسيره إلى مقومات صالحة، ومثال ذلك: أنه قد يوجد الحيوان في بيئة ما، ويعطي الله له لونا يماثل لون هذه البيئة ليحمي نفسه من حيوانات أقوى منه. ومثال آخر: نحن نعلم أن الحيوان مخلوق لينفع الإنسان، ولا بد أن يتناسل ليؤدي ما يحتاج إليه الإنسان من ذرية هذا الحيوان ويمارس الحيوان العملية الجنسية كوسيلة للتناسل وليست كما هي في الإنسان، حيث تصير في بعض الأحيان غاية في ذاتها، بجانب أنها وسيلة للنسل. ولذلك نجد كثيرا من ظواهر الحياة المتعلقة بالإنسان قد تعلمها من الحيوان مثلما قال الحق تبارك وتعالى:

فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه...

[المائدة: 31]. إذن فالغراب مهدي بغريزته إلى كل متطلباته، ولذلك نجد من يقول: كيف نشبه الضال بالأنعام؟ نقول: إن الضال يختلف عن الأنعام في أنه يملك الاختيار وقد رفع فوق الأنعام، لكنه وضع نفسه موضع الأنعام حيث لم يستخدم العقل كي يختار به بين البدائل.

وبذلك صار أضل من الأنعام، كلمة " أضل " تبين لنا أن الأنعام ليست ضالة، لأنها محكومة بالغريزة لا اختيار لها في شيء. لكن الكفار الذين ذرأهم ربنا لجهنم من الجن والإنس، لا يعرفون ربهم، بينما الأنعام، والجمادات والنباتات تعرف ربها لأن الحق يقول:

وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم

[الإسراء: 44]. إذن فالأنعام تعرف ربنا وتسبحه وتحمده. وفي آية أخرى يقول المولى تبارك وتعالى:

كل قد علم صلاته وتسبيحه

[النور: 41]. وعلى ذلك فكل الجماد - إذن - يعلم صلاته وتسبيحه. ولذلك قصصنا قصة من قصص العارفين بالله حين يجلسون مع بعضهم البعض كوسيلة تنشيط إلى غايات وأهداف سامية. والعارف بالله من هؤلاء الصالحين يستقبل الأحسن منه في العبادة بالضحك، أما الأحسن منه في أمور الدنيا فيستقبله " بالتكشير " ، وقال واحد منهم لآخر: أتشتاق إلى ربك؟ فرد عليه: لا. تساءل الآخر: كيف تقول ذلك؟. قال له: نعم. إنما يشتاق إلى غائب. ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ﴾ [الأعراف: 179]. ولا تظنن أن الضلال لعدم وجود منهج، أو لعدم مذكر، أو لعدم وجود منذر أو مبشر. بل هي غفلة منهم، فالأمور واضحة أمامهم، لكنهم يهملونها ويغفلون عنها. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ ولله الأسمآء الحسنى... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩٤٩