7.137
أي صارت مصر والشام تحت إمرة بني إسرائيل، وهي الأرض التي باركها الله، بالخصب، وبالنماء، بالزروع، بالثمار، بالحيوانات، وبكل شيء من مقومات الحياة، وترف الحياة: ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرآئيل بما صبروا ﴾. ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ أي استمرت عليهم الكلمة وتم وعد الله الصادق بالتمكين لبني إسرائيل في الأرض ونصره إياهم على عدوهم، واكتملت النعمة لأن الله أهلك عدوهم وأورثهم الأرض، وتحققت كلمته سبحانه التي جاءت على لسان موسى:
ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون
[الأعراف: 129]. هكذا تمت كلمة الله بقوله سبحانه: ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها.. ﴾ [الأعراف: 137]. ونعلم أن كلمة " مشارق ومغارب " تقال بالنسبيات فليس هناك مكان اسمه مشرق وآخر اسمه مغرب، لكن هذه اتجاهات نسبية فيقال هذا مشرق بالنسبة لمكان ما، وكذلك يقال له " مغرب " بالنسبة لمكان آخر. وحين ينتقل الإنسان إلى مكان آخر يوجد مشرق آخر ومغرب آخر. وعلى سبيل المثال نجد من يسكن في الهند واليابان يعلمون أن منطقة الشرق الأوسط بالنسبة لهم مغرب، ومن يسكنون أوروبا يعرفون أن الشرق الأوسط بالنسبة لهم مشرق. وقلنا من قبل: إن الحق حين جاء " بالمشرق والمغرب " بصيغة الجمع كما هنا فذلك إنما يدل على أن لكل مكان مشرقا، ولكل مكان مغربا فإذا غربت الشمس في مكان فهي تشرق في مكان آخر. وفي رمضان نجد الشمس تغرب في القاهرة قبل الإسكندرية بدقائق. ونعلم أن سبب هذه الدورة إنما هو ليبقى ذكر الله بكل مطلوبات الله في كل أوقات الله، مثال ذلك حين نصلى نحن صلاة الفجر نجد أناسا يصلون في اللحظة نفسها صلاة الظهر، ونجد آخرين يصلون صلاة العصر، وقوما غيرهم يصلون صلاة المغرب، وغيرهم يصلي صلاة العشاء. وبذلك تحقق إرادة الله في أن هناك عبادة في كل وقت وفي كل لحظة، فحين يؤذن مسلم قائلا " الله أكبر " لينادي لصلاة الفجر، هناك مسلم آخر يقول: " الله أكبر " مناديا لصلاة الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء، وهذا هو الاختلاف في المطالع أراد به سبحانه أن يظل اسمه مذكورا على كل لسان في كل مكان لتعلو " الله أكبر، الله أكبر " في كل مكان. وأنت إذا حسبت الزمن بأقل من الثانية تجد أن كون الله لا يخلو من " لا إله إلا الله " أبدا: ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى ﴾. ونعلم أن كلمة " الحسنى " وصف للمؤنث، و " كلمة " مؤنثة، والكلمة هي قوله الحق:
ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين
[القصص: 5].
لقد قال الحق القصة بإيجاز، وهذه هي التي قالها ربنا وهي كلمة " الحسنى " لأنه سبحانه لم يعط لهم نعمة معاصرة لنعمة العدو، بل نعمة على أنقاض العدو، فهي نعمة تضم إهلاك عدوهم، ثم أعطاهم بعد ذلك أن جعلهم أئمة وهداة وورثهم الأرض: ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرآئيل بما صبروا ﴾. وهم بالفعل قد صبروا على الإيذاء الذي نالوه وذكره سبحانه من قبل حين قال:
يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم..
[البقرة: 49]. وجاء عقاب الله لقوم فرعون: ﴿ ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون ﴾ [الأعراف: 137]. والتدمير هو أن تدرك شيئا وتخربه، وقد ظل ما فعله الله بقوم فرعون باقيا في الآثار التي تدلك على عظمة ما فعلوا، وتجد العلماء في كل يوم يكتشفون تحت الأرض آثارا كثيرة. ومن العجيب أن كل كشوف الآثار تكون تحت الأرض، ولا يوجد كشف أثري جاء من فوق الأرض أبدا. وكلمة " دمرنا " تدل على أن الأشياء المدمرة كانت عالية الارتفاع ثم جاءت عوامل التعرية لتغطيها، ويبقى الله شواهد منها لتعطينا نوع ما عمروا كالأهرام مثلا. وكل يوم نكتشف آثارا جديدة موجودة تحت الأرض مثلما اكتشفنا مدينة طيبة في وادي الملوك، وكانت مغطاة بالتراب بفعل عوامل التعرية التي تنقل الرمال من مكان إلى مكان. وأنت إن غبت عن بيتك شهرا ومع أنك تغلق الأبواب والشبابيك قبل السفر ثم تعود فتجد التراب يغطي جميع المنزل والأثاث كل ذلك بفعل عوامل التعرية التي تنفذ من أدق الفتحات، ولذلك لو نظرت إلى القرى القديمة قبل أن تنشأ عمليات الرصف التي تثبت الأرض نجد طرقات القرية التي تقود إلى البيوت ترتفع مع الزمن شيئا فشيئا وكل بيت تنزل به قليلا، وكل فترة يردمون أرضية البيوت لتعلو، وكل ذلك من عوامل التعرية التي تزيد من ارتفاع أرضية الشوارع. وكل آثار الدنيا لا تكتشف إلا بالتنقيب، إذن فكلمة " دمرنا " لها سند. والحق يقول عن أبنية فرعون: