7.202
ونحن حين نتتبع كلمة " يمدونهم " في القرآن، نجدها مرة " يمدونهم " ومرة يمددكم كما جاء في قول الحق تبارك وتعالى:
ويمددكم بأموال وبنين
[نوح: 12]. ونعلم أن الشياطين لن تترك المؤمنين في حالهم، بل تظل في محاولة الغواية، وتحاول الشياطين غواية المؤمنين الطائعين أكثر من محاولتهم غواية العاصين لأن العاصي إنما يعاون الشيطان باتباعه شهوات نفسه، ولا يقصر العاصي أو الشيطان في ذلك، بل يحاول العاصي أو الشيطان غواية المؤمنين و " أقصر " من مادة " قصر " ، أي أنه قادر أن يطول المسافة لكنه يقصرها. وهكذا إلحاح الشياطين لغواية المؤمنين. فالشيطان - كما جاء في القرآن - يعترف بموقفه من ملاحقة المؤمنين بالوسوسة وتزيين المعاصي.
لأقعدن لهم صراطك المستقيم
[الأعراف: 16]. والشيطان يعلم أن من لا يتقي الله لا يحتاج إلى تزيين أو غواية لأنه يرغب ويميل للمعاصي والعياذ بالله لذلك لا يبذل الشيطان لغوايته جهدا كبيرا. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وإذا لم تأتهم بآية قالوا... ﴾.
7.203
وقد جاء الحق تبارك وتعالى من قبل بكلمة " آيات " ، والآيات - كما أوضحنا - إما آيات كونية وإما آيات المعجزات الدالة على صدق الرسل، وإما آيات الأحكام. والله سبحانه وتعالى جاء هنا بكلمة: " آية " لا " آيات " ، والكون أمامهم مليء بآياته، والمنهج المنزل على الرسول عليه الصلاة والسلام واضح، ولا ينقص إلا أن تأتي الآية المعجزة - من وجهة نظرهم - وينبه الحق هؤلاء بقوله تبارك وتعالى في سورة الإسراء:
ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا * وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا
[الإسراء: 89 - 93]. إذن فالآيات المعجزات التي طلبوها، لا يأتي بها الرسول من عنده، والآيات التي ينزل بها المنهج أيضا ليست من عنده، بل هي تنزيل من لدن عزيز حكيم. وكانوا يتهمونه صلى الله عليه وسلم أنه يفتري القرآن. لذلك طلبوا منه صلى الله عليه وسلم المعجزة الحسية متناسين ما جاءت به آيات القرآن الكريم من معجزة لم يستطيعوا هم أن يأتوا بآية واحدة من مثل آياتها وقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿ قالوا لولا اجتبيتها قل إنمآ أتبع ما يوحى إلي من ربي ﴾. يأمره هنا ربه أن يقول: ﴿ قل إنمآ أتبع ما يوحى إلي من ربي ﴾. أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكلف بأن يبلغهم بما يأتي به الوحي يحمله الروح الأمين جبريل عليه السلام من آيات القرآن الحاملة للمنهج الإلهي، وهذا المنهج في حد ذاته معجزة متجددة العطاء، لذلك يضيف: ﴿ هذا بصآئر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ [الأعراف: 203]. ففي القرآن الكريم بصائر وهدى رحمة، والبصائر جمع بصيرة، من الإبصار، إذا امتلأ القلب بنور اليقين الإيماني فإن صاحبه يعيش في شفافية وإشراق، ويسمى صاحب هذه الرؤية المعنوية صاحب بصيرة، أما البصر فهو مهمة العين في الأمور الحسية، لكن هناك أمور معنوية لا تكتشفها إلا البصيرة، والبصيرة تضيء القلب بالنور حتى يستكشف تلك الأمور المعنوية، ولا يمتلك القلب البصيرة إلا حين يكون مشحونا باليقين الإيماني. والقرآن الكريم بصائر لأنه يعطي ويمنح من يؤمن به ويتأمله بصائر ليجدد الأمور المعنوية وقد صارت مبصرة، وكأنه قادر على رؤيتها ومشاهدتها وكأنها عين اليقين.
وهذا القرآن المجيد بصائر وهدى، أي يدل الإنسان ويهديه إلى المنهج الحق وإلى طريق الله المستقيم، وهو رحمة أيضا لمن لا يملك إشراقات القلب التي تهدي للإيمان ولا يملك قوة أخذ الدليل الذي يوصله إلى الهداية، إذن فهو رحمة لكل الناس، وهدى لمن يسأل عن الدليل، وبصائر لمن تيقن أصول الإيمان مشهديا. وكما قلنا من قبل: إن الله قد أخبر المؤمنين بأمور غيبية، ومن هذه الأمور الغيبية أن له جنة وأن له نارا، وصدق المؤمنون بكل ما جاءهم من البلاغ عن ربهم، وعلموا أن ذلك من الله، وصار هذا العلم علم يقين كقدر مشترك فيما بينهم، فإذا جاء يوم القيامة ورأوا الصراط مضروبا عن متن جهنم مطابقا لما صدقوه وصار عين يقين، وإذا ما دخل بعضهم النار - والعياذ بالله - تكفيرا لذنوب ارتكبوها، فهذا حق يقين. وضربت المثل من قبل - ولله المثل الأعلى - كان الجغرافيون يحدثوننا ونحن طلاب عن خريطة الولايات المتحدة، ويقولون: إن عاصمتها " واشنطن " ، والميناء الكبير فيها اسمه " نيويورك " ، وفي " نيويورك " توجد ناطحات السحاب وهي مبان ضخمة يزيد ارتفاع المبنى الواحد من هذه المباني على مائة طابق أي أكثر من مائتي متر، وصدقنا نحن أستاذ الجغرافيا، وعندما أتيحت للبعض منا فرصة السفر ورأوا واشنطن ونيويورك من الطائرة، صارت الرؤية عين يقين بعد أن كانت علم يقين. وعند هبوط الطائرة في مطار واشنطن صارت الرؤية حق يقين. وقد عرض الحق سبحانه وتعالى لنا الإيمان ببعض من الغيب في قوله تعالى: