7.135
فكأن لهم مع كل آية نقضا للعهد، وانظر الفرق بين العبارتين: بين قوله الحق: ﴿ فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون ﴾ وبين قوله السابق: ﴿ ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز ﴾ ، فمن إذن يكشف الرجز؟ إن الكشف هنا منسوب إلى الله، وكل كشف للرجز له مدة يعرفها الحق، فهو القائل: ﴿ إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون ﴾. والنكث هو نقض العهد. ويتابع سبحانه: ﴿ فانتقمنا منهم... ﴾.
7.136
ويوضح هنا سبحانه أنه ما دام قد أخذهم بالعقاب في ذواتهم، وفي مقومات حياتهم، وفي معكرات صفوهم لم يبق إلا أن يهلكوا لأنه لا فائدة منهم لذلك جاء الأمر بإغراقهم، لا عن جبروت قدرة، بل عن عدالة تقدير لأنهم كذبوا بالآيات وأقاموا على كفرهم. ويلاحظ هنا أن أهم ما في القضية وهو الإغراق قد ذكر على هيئة الإيجاز، وهو الحادث الذي جاء في سورة أخرى بالتفصيل، فالحق سبحانه يقول:
وأوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون
[الشعراء: 52]. ولم يأت الحق هنا بتفاصيل قصة الإغراق لأن كل آية في القرآن تعالج موقفا، وتعالج لقطة من اللقطات لأن القصة تأتي بإجمال في موضع وبإطناب في موضع آخر، وهنا يأتي موقف الإغراق بإجمال: ﴿ فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم ﴾. وكلمة ﴿ فأغرقناهم ﴾ لها قصة طويلة معروفة ومعروضة عرضا آخر في سورة أخرى، فحين خرج موسى وبنو إسرائيل من مصر خرج وراءهم فرعون، وحين رأى بنو إسرائيل ذلك قالوا بمنطق الأحداث: ﴿ إنا لمدركون ﴾. مدركون من فرعون وقومه لأن أمامهم البحر وليس عندهم وسيلة لركوب البحر. لكن موسى المرسل من الله علم أن الله لن يخذله لأنه يريد أن يتم نعمة الهداية على يديه، كان موسى عليه السلام ممتلئا باليقين والثقة لذلك قال بملء فيه:
كلا إن معي ربي سيهدين
[الشعراء: 62]. هو يقول: " كلا " أي لن يدركوكم لا بأسبابه، بل بأسباب من أرسله بدليل أنه جاء بحيثياتها معها وقال: ﴿ إن معي ربي سيهدين ﴾. لقد تكلم بمنطق المؤمن الذي أوى إلى ركن شديد، وأن المسائل لا يمكن أن تنتهي عند هذا الوضع لأنه لم يؤد المهمة بكاملها، لذلك قال: " كلا " بملء فيه، مع أن الأسباب مقطوع بها. فالبحر أمامهم والعدو من خلفهم، وأتبع ذلك بقوله: ﴿ إن معي ربي سيهدين ﴾ بالحفظ والنصرة.. أي أن الأسباب التي سبق أن أرسلها معي الله فوق نطاق أسباب البشر، فالعصا سبق أن نصره الله بها على السحرة، وهي العصا نفسها التي أوحى له سبحانه باستعمالها في هذه الحالة العصيبة قائلا له:
اضرب بعصاك البحر..
[الشعراء: 63]. ونعرف أن البحر وعاء للماء، وأول قانون للماء هو السيولة التي تعينه على الاستطراق، ولو لم يكن الماء سائلا، وبه جمود وغلظة لصار قطعا غير متساوية، ولكن الذي يعينه على الاستطراق هو حالة السيولة، ولذلك حين نريد أن نضبط دقة استواء أي سطح نلجأ إلى ميزان الماء. وقال الحق سبحانه لموسى عليه السلام:
اضرب بعصاك البحر..
[الشعراء: 63]. وحين ضرب موسى بعصاه البحر امتنع عن الماء قانون السيولة وفقد قانون الاستطراق، ويصور الله هذا الأمر لنا تصويرا دقيقا فيقول: ﴿ فكان كل فرق كالطود العظيم ﴾.
أي صار كل جزء منه كالطود وهو الجبل، ونجد في الجبل الصلابة، وهكذا فقد الماء السيولة وصار كل فرق كالجبل الواقف، ولا يقدر على ذلك إلا الخالق، لأن السيولة والاستطراق سنة كونية، والذي خلق هذه السنة الكونية هو الذي يستطيع أن يبطلها. وحين سار موسى وقومه في اليابس، وقطع الجميع الطريق الموجود في البحر سار خلفهم فرعون وجنوده وأراد موسى أن يضرب البحر بعصاه ليعود إلى السيولة وإلى الاستطراق حتى لا يتبعه فرعون وجنوده، وهذا تفكير بشري أيضا، ويأتي لموسى أمر من الله:
واترك البحر رهوا..