10 - سورة يونس
10.1
و ﴿ الر ﴾ ثلاثة حروف، وقد سبقتها سورة البقرة ب ﴿ الم ﴾ و ﴿ الم ﴾ في أول سورة آل عمران، وفي أول سورة الأعراف ﴿ المص ﴾ وهنا ﴿ الر ﴾ في أول سورة يونس. ونلاحظ أن ﴿ الم ﴾ و ﴿ المص ﴾ و ﴿ الر ﴾ كلها أسماء حروف. وكل شيء له اسم وله مسمى، أنا اسمي الشعراوي صحيح، والمسمى هو صورتي. فإذا أطلق الاسم جاءت صورة المسمى في الذهن. فساعة نقول: " السماء " يأتي إلى الذهن " ما علاك ". وساعة تقول: " المسجد " يأتي إلى الذهن المكان المحيز للصلاة. إذن: فهناك فرق بين الاسم والمسمى. وكل إنسان أمي، أو متعلم، له قدرة على الكلام، لكن لا ينطق بأسماء الحروف إلا من تعلم. وفي الإنجليزية نطلب ممن يتعلمها أن يتهجى أسماء الحروف. إذن: فالكل - كل متكلم - يعرف النطق بمسميات الحروف ولكن الذي يعرف المسميات ويعرف الأسماء هو من جلس إلى معلم. وعرف أنك حين تقول: " أكلت " ، فهذه الكلمة مكونة من همزة، وكاف، ولام، وتاء. فإن كانت بعض سور القرآن قد بدأت ب ﴿ الم ﴾ وهذه أسماء حروف، لا مسميات حروف، ومحمد صلى الله عليه وسلم أمي لم يتعلم، فمن الذي علمه أسماء الحروف؟ هي، إذن، رمزية على أنه - بإقرار الجميع - أمي ولم يجلس إلى معلم، ولم يقل له أحد شيئا، ثم نطق بعد ذلك بأسماء الحروف " ألف لام ميم " ولو نظرت إلى المنطوق بالأسماء تجدها أربعة عشر حرفا تكررت، وهي نصف حروف الهجاء. ومن العجيب أن توصيف حروف الهجاء جاء بعد أن نزل القرآن. وقسمناها نحن إلى حروف مهجورة وحروف مهموسة وحروف رقيقة وحروف رخوة. وقد حدث هذا التقسيم بعد أن نزل القرآن. وبالاستقراء تجد الأربعة عشر حرفا التي تأتي في فواتح السور تمثل كل أنواع الحروف. من: رقيق، ومفخم، ومجهور، ومهموس، ومستعل، وبدأ الله بها على أشكال مختلفة، فمرة يبدأ بحرف واحد:
ص والقرآن ذي الذكر
[ص: 1]. ويقول سبحانه:
ق والقرآن المجيد
[ق: 1]. ويقول سبحانه:
ن والقلم وما يسطرون
[القلم: 1]. إذن: فثلاث سور ابتدأت بحرف واحد. وهناك سور ابتدأت بحرفين اثنين مثل: ﴿ طه ﴾. ﴿ يس ﴾. ﴿ طس ﴾ ، ﴿ حم ﴾. وهناك سور بدئت بثلاثة حروف: ﴿ الم ﴾ مثلما بدأت سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة العنكبوت، وسورة الروم، وسورة السجدة. وهناك سور قد بدئت ب ﴿ الر ﴾. وثلاث سور تتفق في الألف واللام. وتختلف في " الميم والراء " و ﴿ الر ﴾ في أول سورة يونس و ﴿ الر ﴾ في أول سورة يوسف. و ﴿ الر ﴾ في أول سورة إبراهيم، و ﴿ الر ﴾ في أول سورة الحجر. وهناك سورة قد بدئت بأربعة حروف مثل: ﴿ المص ﴾ في أول سورة الأعراف، وكذلك سورة الرعد بدأت ب ﴿ المر ﴾.
وهناك سور قد بدأت بخمسة حروف مثل سورة مريم ﴿ كهيعص ﴾. وكذلك سورة الشورى بدأت ب ﴿ حم * عسق ﴾. ومرة يطلق الحرف أو الحرفان في أول السورة ولا تعتبر آية وحدها بل جزءا من آية، وهناك سورتان تبدآن بأحرف وتعتبر آية مثل ﴿ طه ﴾ ، و ﴿ يس ﴾. أما في سورة النمل فهي تبدأ ب ﴿ طس ﴾ ولا تعتبر آية وحدها. إذن: فمرة تنطق الحروف وحدها كآية مكتملة، ومرة تكون الحروف بعضا من آية، ومرة تأتي خمسة حروف مثل ﴿ كهيعص ﴾ ، وكل هذا يدلك على أن القرآن توقيفي. ولم تأت آياته على نسق واحد لننتبه إلى أن الحق سبحانه أنزل هذه الحروف هكذا، وكذلك نجد كلمة " اسم " في القرآن في ﴿ بسم الله ﴾ وتكتب من غير ألف، وهي ألف وصل، أي: تنطقها حين تقرأها لكن الحرف يسقط عند الكتابة، ولكنها لا تسقط عندما نكتب الآية الأولى من سورة العلق:
اقرأ باسم ربك الذي خلق
[العلق: 1]. ومثال آخر لو استعرضت في القرآن الكريم كلمة " تبارك " ، ستجد فيها ألفا بعد الباء، وتأتي مرة من غير ألف، وكلمة " البنات " نجدها مرة بألف ومرة من غير ألف، كل ذلك لنفهم أن المسألة ليس لها رتابة كتابة لأنها لو كانت رتابة كتابة لجاءت على نظام واحد. وقد شاء الحق هذا الأمر لتكون كتابة القرآن معجزة، كما كانت ألفاظه وتراكيبه معجزة. وقد قال البعض: إن العرب المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا أهل إتقان للكتابة، ونقول: لو كانوا على غير دراية بالكتابة لما كتبوا " بسم " من غير ألف في موقعها، لقد علموا أن القرآن يجب أن يكتب كما نزل به جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابة توقيفية، أي: كما أمر الحق سبحانه. وعجيبة أخرى أن كل آيات القرآن مبنية على الوصل، فأنت لا تقرأ ختام السورة بالسكون، بل تلتفت لتجد الكلمة التي في ختام أي سورة مشكلة بغير السكون. والمثال هو: ﴿ وهو رب العرش العظيم ﴾ وجاء الحرف الأخير بالكسر لا بالسكون لتقرأ موصولة بما بعدها، فتقرأ كالآتي: ﴿ وهو رب العرش العظيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴾. وهذه الحركة دلت على أن جميع آيات القرآن موصولة ببعضها، وإياك أن تجعل القرآن ﴿ عضين ﴾ فلا تأخذ بعضا من آياته مفصولا عن غيرها، بل القرآن كله موصول، فليس في القرآن من وقف واجب، بل الآيات كلها مبنية على الوصل، وإن كانت الكلمة الأخيرة تنتهي بالفتحة فأنت تقرأها منصوبة ومن بعدها ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ فنحن لا نسكن الحرف الأخير في أي سورة لأنها موصولة بما بعدها. وحتى في الحكم التجويدي إن وجد إقلاب ننطقه إقلابا، وإن وجد إظهاء ننطقه إظهارا لأن آيات القرآن مبنية على الوصل.