21 - سورة الأنبياء
21.1
والاقتراب: إما أن يكون زمنا أو مكانا، فإذا كانت المسألة في مسافات قلنا: اقترب للناس حسابهم يعني مكانه. وإذا كانت للزمن قلنا: اقترب زمنه. فالاقتراب: دنو الحدث من ظرفية زمانا أو مكانا. والحق سبحانه حينما يعبر بالماضي ﴿ اقترب.. ﴾ [الأنبياء: 1] يدل على أن ذلك أمر لازم وسيحدث ولا بد، والبشر حينما يتحدثون عن أمر مقبل يقولون: يقترب لا اقترب لأن اقترب هكذا بالجزم والحكم بأنه حدث فعلا لا يقولها إلا الله الذي يملك الأحداث ويقدر عليها، أما الإنسان فلا يملك الأحداث، ولا يستطيع الحكم على شيء لا يملكه بعد أن يتلفظ بهذا اللفظ. ومثال ذلك في قوله تعالى:
أتى أمر الله فلا تستعجلوه..
[النحل: 1] فلا يقال لك: لا تستعجل شيئا إلا إذا كان لم يحدث بعد: فكيف - إذن - جمع بين الماضي
أتى..
[النحل: 1] والمستقبل
فلا تستعجلوه..
[النحل: 1]؟ قالوا: أنت ممنوع أن تحكم بمضي على أمر مستقبل لأنك لا تملك نفسك، ولا تملك ظروف المستقبل، كما في قوله تعالى:
ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله..
[الكهف: 23-24]. لا بد أن تردف هذا القول بالمشيئة لأن قولك " سأفعل ذلك غدا " قضية لها عناصر: الفاعل أنت والمفعول به والزمن غدا، والسبب الذي يدعوك للفعل والقدرة التي تعينك أن تفعل. وهذه كلها عناصر لا تملك أنت شيئا منها، وربما جاء غد فتغير عنصر من هذه العناصر، وحال بينك وبين ما تريد، فينبغي أن تبريء نفسك من احتمال الكذب فتقول: إن شاء الله وترد الأمر إلى القادر عليه الذي يملك كل هذه العناصر، وكأن ربك يعلمك ألا تكون كاذبا. لذلك نجد أن اللغة قد راعت قدرة المتكلم، ووضعت له الزمن المناسب، فإن علمت حدوث الفعل قل بالماضي: حضر فلان، انتهت القضية، فإن علمت أنه توجه للحضور واستعد له قل: سيحضر فلان أي قريبا، أو سوف يحضر أي: بعد ذلك. هذا الذي يناسب قدرة البشر. أما الحق سبحانه فيملك زمام الأشياء وتوجيهها، وكل شيء مرهون بأمره التكويني، فإن قال للأمر المستقبل: أتى أو اقترب فصدق لأنه لا شيء يخرج الأمر عن مراده تعالى، وهو وحده الذي يملك الانفعال لكلمة كن، فإن قالها فقد انتهت المسألة. لذلك يقول سبحانه: ﴿ اقترب للناس حسابهم.. ﴾ [الأنبياء: 1] بصيغة الماضي ولم يقل: يقترب أو سيقترب لأن المتكلم هو الله. وقد ورد الماضي اقترب أيضا في قوله تعالى:
اقتربت الساعة وانشق القمر
[القمر: 1]. وفي قوله تعالى
واسجد واقترب
[العلق: 19] فاقترب غير قرب، قرب: يعني دنا، أما اقترب أي: دنا جدا حتى صار قريبا منك. والحساب: كلمة تطلق إطلاقات عدة، فالحساب أن تحسب الشيء بالأعداد جمعا، أو طرحا، أو ضربا، وتدير حصيلة لك أو عليك، فإن كانت لك فأنت دائن، وإن كانت عليك فأنت مدين.
أو تربط المسببات بأسبابها. وهناك أمور تأتي بغير حساب، كما قال تعالى:
إن الله يرزق من يشآء بغير حساب
[آل عمران: 37] فهذه مسألة لا تستطيع ضبطها، والله لا يسأل: أعطاني زيادة أم نقصانا. أما الحساب في ﴿ اقترب للناس حسابهم.. ﴾ [الأنبياء: 1] فيقتضي محاسبا هو الله عز وجل، ومحاسبا هم الناس، ومحاسبا عليه وهي الأعمال والأحداث التي أحدثوها في دنياهم، وهذه قسمان: قسم قبل أن يكلفوا، وقسم بعد أن كلفوا. ما كان قبل التكليف وسن البلوغ لا يحاسبنا الله عليه، إنما تركنا نمرح ونرتع في نعمه سبحانه دون أن نسأل عن شيء، أما بعد البلوغ فقد كلفنا بأشياء تعود علينا بالخير، وألزمنا المنهج الذي يضمن سعادتنا " بافعل " و " لا تفعل " وهذا يقتضي أن نحاسب، فعلنا، أم لم نفعل. إذن: المسألة حساب، ليست جزافا، جماعة في الجنة وجماعة في النار، وقوله سبحانه في الحديث القدسي: " هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي " بناء على علمه تعالى بما يؤدونه وقت الحساب، ففي علم الله ما فعلوا وما تركوا. ولا تنس أن المحاسب في هذا الموقف هو الله، فإن كان الحساب في الخير عاملك بالفضل والزيادة كما يشاء سبحانه لذلك يضاعف الحسنات، وإن كان الحساب في الشر كان على قدره دون زيادة، كما قال تعالى: