7.172
وإذ تنصرف إلى الزمن، أي اذكر وقت أن أخذ الله من بني آدم، والآخذ هو الله، والمأخوذ منه بنو آدم، والشيء المأخوذ هو ذريتهم، هذه هي العناصر. ولنتأمل ذلك بدقة، إن الرب هنا هو الآخذ، وبنو آدم مأخوذ منهم، والمأخوذ هو الذرية. وبنو آدم هم أولاد آدم من لدنه إلى أن تقوم الساعة، وهنا اتحد المأخوذ والمأخوذ منه، ولا بد أن نرى تصريفا في هذا النص لأنه يشترط أن يكون المأخوذ منه كلا، والمأخوذ بعضه. والمثال: إن أنا أخذت منك شيئا، فالمأخوذ منه هو الكل، والمأخوذ بنفسه هوالبعض. لكننا هنا نجد المأخوذ هو عين المأخوذ منه، وأزال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الإشكال في هذه الآية فقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه:
" لما خلق الله أدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وميضا من نور ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال هؤلاء ذريتك. فرأى رجلا منهم. فأعجبه وميض ما بين عينيه. فقال: أي رب. من هذا؟ قال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك، يقال له داود، فقال: رب كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة. قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة، فلما قضي عمر آدم جاءه ملك الموت. فقال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي فنسيت ذريته. وخطئ آدم فخطئت ذريته "
إذن ذرية آدم أخذت من ظهر آدم. وعرفنا من قبل أن كلا منا قبل أن تحمل به أمه كان ذرة في ظهر أبيه، وأبوه كان ذرة في ظهر أبيه حتى آدم. وهكذا نجد أن كل واحد مأخوذ من ظهره ذرية هناك أناس يؤخذون - كذرية - ولا يؤخذ منهم، مثل من فرض عليهم الله أن يكون الواحد منهم عقيما، وكذلك آخر جيل تقوم عليه الساعة، ولن ينجبوا. وآدم مأخوذ منه لأنه أول الخلق، وهو غير مأخوذ من أحد. وما بين الأب آدم وآخر ولد مأخوذ ومأخوذ منه. وبذلك يكون كل واحد مأخوذ ومأخوذ منه، وهكذا يستقيم المعنى. والمأخوذ منه آدم ثم كل ولد من أول أولاد آدم إلى الجيل الأخير الذي سينقطع عن النسل. وأوضح النبي صلى الله عليه وسلم: أن ربنا سبحانه وتعالى مسح بيده على ظهر آدم وأخرج منه الذرية، وقال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. وبهذا علمنا أن كل ذرة من الذرات قد أخذت مما قبلها، وأخذ منها ما بعدها وكلها مأخوذ ومأخوذ منه، اللهم إلا القوسين القوس الأول: آدم لأنه مأخوذ منه وليس مأخوذا من شيء، والقوس الثاني: آخر ولد من أولاده مأخوذ وليس مأخوذا منه لأن الإنسان منا وجد من حيوان أبيه المنوي.
ولو أن الحيوان المنوي أصابه موت لما أنجب الأب. ومن ولد من حيوان منوي لأب، هذا الأب مأخوذ من حيوان منوي حي من الجد أيضا، وسلسلها إلى آدم ستجد أن كل واحد منا فيه جزيء حي من لدن آدم لن يدركه موت أبدا. لذلك يقول ربنا: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ﴾ [الأعراف: 172]. ولا تقل إن الكل سيكون في ظهره لأن المأخوذ منه هو الأساس الموجود في ظهره وما دام كل شيء يتكاثر فهو قد وجد من أقل شيء ونعلم أن الأقل يوجد فيه الأكثر مطمورا. وقد أخذ ربنا من ظهور بني آدم الذرية وخاطب الذرية بقوله تعالى: ﴿ ألست بربكم ﴾؟. وهنا قد يقول قائل: أكان لهذه الذرية القدرة على النطق إنها ذرية تنتظر التكوين الآخر لتتحد مثلا ب " البويضة " في رحم الأم؟ فنرد عليه ونقول: لماذا تظن أن مخاطبة ربنا لهم أمر صعب؟ إن الواحد من البشر يستطيع أن يتعلم عشر لغات، ويتزوج من أربع سيدات، وكل سيدة ينجب منها ذرية، ويقعد يوما عند سيدة وذريتها ويعلمها اللغة الإنجليزية مثلا، ويجلس مع الأخرى ويعلمها اللغة الألمانية، ويعلم الثالثة وأولادها اللغة العربية وهكذا، بل يستطيع أن يتفاهم حتى بالإشارة مع من لا يعرف لغته، وإذا كان الإنسان يستطيع أن يعدد وسائل الأداء، ألا يقدر أن يعدد وسائل الأداء لمخلوقاته؟ إنه قادر على أن يعدد ويخاطب، ألم يقل الحق تبارك وتعالى للجبال: