تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.104

ويشرح لنا القرآن أمر بلاغ موسى لفرعون وقومه بأن الله واحد أحد وهو رب العالمين، وكان قوم فرعون يعتقدون بوجود إله للسماء وآخر للأرض، لذلك يبلغهم موسى بأن الإله واحد:

قال رب السماوات والأرض وما بينهمآ إن كنتم موقنين

[الشعراء: 24]. ونجد موسى يعدد كلمة الربوبية في آيات أخرى ليأتي بالمظهر الذي دست فيه دسيسة الربوبية لفرعون، وكانوا يعتقدون أن للسماء إلها، وللأرض إلها آخر، فقال موسى: إنني أتكلم عن الإله الواحد الذي هو رب السماء والأرض معا فلا إله إلا الله وحده. وكانوا يعتقدون أن للشرق إلها، وللغرب إلها، فأبلغهم موسى بأنه إله واحد، وكانوا يعتقدون أن للأحياء ألها وربا، وللأموات إلها وربا، فقال لهم موسى:

قال ربكم ورب آبآئكم الأولين

[الشعراء: 26]. ويبلغ هنا موسى فرعون وقومه: ﴿ إني رسول من رب العالمين ﴾ [الأعراف: 104]. وما دام موسى رسولا من رب العالمين، فهو لا يقول إلا الحق، لذلك يتابع الحق على لسان موسى: ﴿ حقيق على أن لا أقول... ﴾.

7.105

فأي هذه الأمور هو الذي يحتاج إلى بينة، هل البلاغ بأنه رسول من رب العالمين؟ إن هذا القول يدلنا على أن موسى اختلف مع فرعون أولا في أن موسى رسول، وأن للعالمين ربا واحدا، وأنه لا يبلغ إلا بالحق، هذه - إذن - ثلاث قضايا خلافية بين موسى وفرعون، ولكن فرعون لم يختلف مع موسى إلا في قضية واحدة هي: هل هو رسول مبلغ عن الله بالقول الحق؟ فماذا طلب منه؟ طلب الدليل على أنه رسول من رب العالمين. وهذا يوضح أن فرعون يعلم أن العالم له رب أعلى. كذلك فإن فرعون لم يقف مع موسى في مسألة أن للعالمين ربا، وأن هذا الرب لا يستطيع كل إنسان أن يفهم مراده منه فلابد أن يرسل رسولا، بل وقف فرعون في مسألة: هل موسى رسول مبلغ عن الله أولا؟ ولذلك يقول موسى: ﴿ حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل ﴾ [الأعراف: 105]. كأن مهمة موسى عند فرعون أن يخلص بني إسرائيل. ونعرف أن قصة بني إسرائيل ناشئة من أيام نبي الله يعقوب وابنه يوسف حين كاد الإخوة لأخيهم يوسف، وتشاوروا في أمر قتله أو طرحه أرضا أو إلقائه في غيابة الجب، لقد جاء الحق بقصة بني إسرائيل على مراحل لنتدرج بالانفعال معها. فمراحل الانفعال النفسي أمام من تكره تأخذ صورتين اثنتين: صورة تدل على تصعيد الرحمة في قلبك، وصورة تدل على تصعيد الشر في قلبك، مثال ذلك: لنفترض أن لك خصما وصنع فيك مكيدة، وتحكي أنت لإخوانك ما فعله هذا الخصم، وكيف أنك تريد الانتقام منه فتقول: أريد أن انتقم منه بضربه صفعتين، ثم تصعد الشر فتقول: أنا أريد أن أقتله بالرصاص، هذا شأن الشرير، أما الخير فيقول: أنا لا أريد أن أقتله أو أصفعه أو أشتمه وأسبه فهذا تصعيد في الخير. إذن. يختلف تصعيد الانتقام أو السماح حسب طاقة الخير أو الشر التي في النفس. وهكذا نجد إخوة يوسف وهم يكيدون له، فقالوا:

ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة..

[يوسف: 8]. هم يعترفون أنهم قوة وعصبة، ويحسدون يوسف وأخاه على محبة الأب لهما، ويعترضون على ذلك، ويظهرون البينة على أن يوسف وأخاه أحب إلى الأب منهم، وذكر القرآن هذه البينة لنعرف أهميتها، حتى لا يغفل أحد عنها. لقد كان قلب نبي الله يعقوب مع يوسف وأخيه لصغرهما وضعفهما، بينما بقية أبنائه كبار أقوياء أشداء لأن الله سبحانه وتعالى وضع في قلب الأبوة والأمومة من الرحمة على قدر ضعف الوليد الصغير. فالصغير هو من يحتاج إلى رعاية وعناية، ويكون قلب الأم والأب مع الابن المريض أو الغائب.

ولذلك حينما سئلت امرأة حكيمة: من أحب بنيك إليك؟ قالت: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يعود، والمريض حتى يشفى. إذن فقول إخوة يوسف: ﴿ ونحن عصبة ﴾. هو بينة ضدهم. وكان المنطق يقتضى أن يعرفوا أنهم ما داموا عصبة فلا بد أن يكون قلب أبيهم مع يوسف وأخيه فكلاهما كان صغيرا ويحتاج إلى رعاية، وبطبيعة تكوين أبناء يعقوب كأسباط وذرية أنبياء، نجدهم يصعدون الخير لا الشر، فقد بدأوا بإعلان رغبة القتل، ثم استبدلوا بها الطرح أرضا بأن يلقوه في أرض بعيدة نائية ليستريحوا منه ويخلو لهم وجه أبيهم، ثم استبدلوا بها إلقاءه في غياهب الجب بدأوا بالقتل في لحظة عنفوان الغضب ثم تنازلوا عن القتل بالطرح أرضا، أي أن يتركوه في مكان يكون فيه عرضة لأن يضل، ثم تنازلوا عن ذلك واكتفوا بإلقائه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة، فهل كانوا يريدون أن يضروه، أو كانوا يفكرون في نجاته؟. إذن فهذا تصعيد للخير. وتوالت الأحداث مع سيدنا يوسف واستقر معه بنو إسرائيل في مصر وكثرت أعدادهم. وعندما نستقرئ التاريخ، نجد أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن ملوك مصر، خص بعضهم باسم فرعون، وخص بعضهم باسم ملك، فهناك فرعون وهناك ملك. فإذا ما نظرت إلى القديم نجد أن الحق يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٨٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٨٥٦