7.159
وحين يسمع قوم موسى هذا القول سيقولون في أنفسهم أنه يعلم ما في صدورنا من تفكير في الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. ولكن لو عمم الحكم فمن يفكر في الإيمان بمحمد يقول: لماذا يصدر حكما ضدي وأنا أفكر في الإيمان؟ لكن الحق " صان الاحتمال " وأوضح لكل واحد من هؤلاء الذين يفكرون في الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم أن يتجه إلى إعلان الإيمان فقال: ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ [الأعراف: 159]. أي يدلون الناس على الحق ويدعونهم إلى طريق الخير، وبهذا الحق يعدلون في حكمهم بين الناس ولا يجورون. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة... ﴾.
7.160
وحين يقول الحق " قطعناهم " فهذه عودة لقوم موسى، ونعرف أن القرآن لا يخصص كأي كتاب فصلا لموسى وآخر لعيسى وثالثا لمحمد، لا، بل يجعل من المنهج الإيماني عجينة واحدة في الدعوة، فيأتي بقضية عيسى، ثم يدخل في الدعوة قضية موسى وغيره وهكذا، ثم يرجع إلى القضية الأصلية كي يستغل انفعالات النفس بعد أي قصة من القصص. وهنا يعود الحق سبحانه لقوم موسى مرة أخرى. فبعد أن أنصفهم وبين أن فيهم أمة يهدون بالحق وبه يعدلون. يقول: ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما ﴾. والمقصود هنا بنو إسرائيل، ومعنى " قطعت الشيء " أي الشيء كان له تمام وجودي مع بعضه، ثم قطعته وفصلت بعضه عن بعض، وجعلته قطعا وأجزاء. فهم كلهم بنو إسرائيل، ولكن الحق يوضح أنه قطعهم وجعلهم " أسباطا " ، و " السبط " هو ولد الولد، وهم هنا أولاد سيدنا يعقوب وكانوا اثني عشر ولدا، وحكت سورة يوسف وقالت:
يأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين
[يوسف: 4]. وحين تعد وتحصي ستجد أحد عشر كوكبا مرئية، وتضم إليها الشمس والقمر والرائي، فيصير العدد أربعة عشر واترك الشمس والقمر لأنهما يرمزان إلى يعقوب وزوجه، وخذ الأحد عشر كوكبا، وأضف الرائي وهو يوسف فيكون العدد اثنى عشر. وهؤلاء هم الاثنا عشر سبطا، فقد أنجب سيدنا يعقوب اثنى عشر ابنا من أمهات مختلفة، وعرفنا من قبل أن الأمهات حين تتعدد فالميول الأهوائية بين الأبناء قد تتعاند. ولذلك تنبأ سيدنا يعقوب وقال لسيدنا يوسف:
لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا..
[يوسف: 5]. هذا أول دليل على أنهم مختلفون، وهو سبب من أسباب وحيثية التقطيع: ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا ﴾. وفي سورة يوسف نقرأ:
هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا..
[يوسف: 100]. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ وأوحينآ إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا.. ﴾ [الأعراف: 160]. إنهم لا يريدون حتى مجرد الاشتراك في الماء تحسبا للاختلاف فيما بينهم، فجعل الحق لكل سبط منهم عينا يشرب منها ليعالج ما فيهم من داءات الغيرة والحقد على بعضهم البعض لأن الحق قال عنهم: ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما ﴾. وهنا وقفة لغوية فقط، والأسباط في أولاد يعقوب وإسحاق يقابلون القبائل في أولاد إسماعيل، وأولاد إسماعيل " العرب " يسمونهم قبائل، وهؤلاء يسمونهم " أسباطا " ، ونعرف أن لفظ " اثنتي " يدل على أنهم إناث، و " عشرة " أيضا إناث، لأننا نقول: " جاءني رجلان اثنان " و " امرأتان اثنتان " أي اثنان للذكور، واثنتان للإناث، وكلمة " اثنتي عشرة " عدد مركب وتمييزه يكون دائما مفردا، ولذلك يقول الحق: ﴿ أحد عشر كوكبا ﴾.
إذن " اثنتا عشرة " يدل على أنه مؤنث. لكن المذكور هنا " سبط " وسبط مذكر، ولنا أن نعرف أنه إذا جمع صار مؤنثا لأنهم يقولون: " كل جمع مؤنث " وأيضا فالمراد بالأسباط القبائل، ومفردها قبيلة وهي مؤنثة، وقطعهم أي كانت لهم - من قبل - وحدة تجمعهم، فأراد الحق أن يلفتنا إلى أنهم من شيء واحد، فجاء بكلمة " أسباط " مكان قبيلة، وقبيلة مفردة مؤنثة، ويقال: " اثنتا عشرة قبيلة " ، ولا يقال اثنتا عشرة قبائل، فوضع أسباطا، موضع قبيلة لأن كل قبيلة تضم أسباطا لذا جاء التمييز مذكرا.. ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما.. ﴾ [الأعراف: 160]. أي جعلنا كل سبط أمة بخصوصها. والواقع الكوني أثبت أنهم كذلك لأنك لا تجد لهم - فيما مضى - تجمعا قوميا وهو ما يسمونه " الوطن القومي لليهود " برغم أن الدول الظالمة القوية أعانوهم وأقاموا لهم وطنا على أرض فلسطين، ومع ذلك نجد في كل بلد طائفة منهم تعيش معزولة عن الشعوب التي تحيا في رحابها، وكأنهم لا يريدون أن يذوبوا في الشعوب، ففي باريس - مثلا - تجد " حي اليهود " ، وفي لندن المسألة نفسها، وفي كل مدينة كبيرة تتكرر هذه الحكاية، فهم يعيشون فيها بطقوسهم وبشكلهم وبأكلهم، وبعاداتهم معزولين عن الشعوب، وكأنهم ينفذون قدر الله فيهم: