تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: إذا قرأ هذه الآية: هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ".

ويخاطب النبي صلى الله عليه وسلم صحابته بقوله: هذه لكم، أي في أمتكم ويؤكد ذلك قول الله سبحانه وتعالى:

كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر...

[آل عمران: 110]. وكلمة " للناس " هنا تفيد أن الله لم يجعل خيرية الأمة المحمدية وهي أمة الإجابة للمؤمنين فقط، بل جعل خيراتها للناس جميعا مؤمنهم وكافرهم. ﴿ وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ [الأعراف: 181]. وذكر " أمة " لأن خصال الخير لا يمكن أن تجتمع في إنسان واحد، بل كل واحد يأخذ لمسة من خير، هذا فيه ذكاء، وذاك فيه شجاعة، وذاك عنده مال، وذلك له خلق. فكأن الأمة المحمدية قد وجدت في أفرادها ما يجمع المواهب الصالحة للخلافة في الأرض. ويأتي الحق بعد ذلك بمقابلهم، لأن مجيء الشيء بمقابله أدعى إلى أن يتمكن من النفس فيقول سبحانه: ﴿ والذين كذبوا... ﴾.

7.182

وهؤلاء هم المقابلون للذين خلقهم الله أمة يهدون بالحق وبه يعدلون، والآيات جمع آية، وقلنا: إن الآيات التي في الكون ثلاث آيات تنظرها لتهتدي بها إلى من صنع ذلك الكون المترامي الأطراف بتلك الدقة العظيمة، وذلك الإحكام المتقن، آيات تلفتك مثل الليل والنهار والشمس والقمر، وكذلك آيات تخرق ناموس الكون لتثبت صدق الرسول بالبلاغ عن الله، وآيات قرآنية تحمل منهج الله، والذين كذبوا بآيات الله الكونية ولم يعتبروا بها، ولم يستنبطوا منها وجود إله قوي قادر حكيم، وكذبوا الآيات المعجزات لصدق النبوة، وكذلك كذبوا آيات القرآن فلم يعملوا بها، ولم يتمسكوا بها هؤلاء يلقون الحكم من الله فلن يدخلهم الحق النار فقط، بل لهم عذاب أقرب من ذلك في الدنيا، لأن المسألة لو أجلت كلها للآخرة لاستشرى بغي الظالم الذي لا يؤمن بالحياة الآخرة، لكن من يؤمن بالآخرة هو من سيحيا بأدب الإيمان في الكون، وتكون حركته جميلة متوافقة مع المنهج. عكس من يعربد في الكون لذلك لا بد أن يأتي العقاب لمن يعربد في الكون أثناء الحياة الدنيا، وسبحانه وتعالى القائل:

وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون

[الطور: 47]. أي أن لهم عذابا قبل الآخرة. ويقول الحق بعد ذلك عن العذاب في الدنيا: ﴿ والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ﴾ [الأعراف: 182]. وحين تقول: أنا استدرجت فلانا، فأنت تعني أنك أخذت تحتال عليه حتى يقر بما فعل، مثل وكيل النيابة حين يحقق مع المجرم، ويحاصره بالأسئلة من هنا، ومن هناك، إلى أن يقر ويعترف، وهذا هو الاستدراج. و " الاستدراج " من الدرج ونسميه في لغتنا اليومية " السلم " وهو وسيلة للانتقال من أسفل إلى أعلى ومن أعلى إلى أسفل فمن المستحيل على الإنسان أن يقفز بخطوة واحدة إلى الدور الخامس مثلا في عمارة ما، ولذلك صمموا الصعود على درجات إلى مستويات متعددة على وفق الحركة العادية للنفس، وهناك من يجعل علو الدرجة مثلا اثنى عشر سنتيمترا بحيث يستطيع كل إنسان أن يرفع قدمه ويضعها على الدرج دون إرهاق النفس، وهذا يعني أننا نستدرج العلو لنصل إليه أو ننزل منه. وقد خصوا في الآخرة الجنة بالدرجات العليا، والنار بالدرجات السفلى. وهنا يقول الحق: ﴿ والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ﴾ [الأعراف: 182]. أي نأخذهم درجة درجة، ونعطي لهم نعمة ثم نرهقهم بما وصلوا إليه، كما قال سبحانه من قبل:

حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون

[الأنعام: 44]. لأن الله حين يريد أن يعاقب واحدا على قدر جرمه في حق أخيه الإنسان في الدنيا يأخذه من أول جرم لأن الأخذة في هذه الحالة ستكون لينة، لكنه يملي له ويعليه ثم يلقيه من عل.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩٥٣