تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون

[الأعراف: 201]. ثم يأتي قوله سبحانه وتعالى في أول سورة الأنفال:

يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم

[الأنفال: 1]. لأن من مهام الشيطان أن يفرق بين المؤمنين بوسوسته لهم، فإذا ما تذكروا الله وما أعده لأهل الإيمان فهم يبصرون الحقيقة الأولى التي ترتفع على كل شيء وهي الإيمان بالله، وهذا الإيمان إنما يتطلب تصفية القلوب من كل ما يكدرها حتى تكون خالصة نقية.

8 - سورة الأنفال

8.1

يقول الحق سبحانه وتعالى مفتتحا سورة الأنفال: ﴿ يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ﴾. السؤال يقتضي سائلا: وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقتضي مسئولا هو الرسول عليه الصلاة والسلام، ويقتضي مسئولا عنه وهو موضوع السؤال المطروح. والمسئول عنه قد يوجد بذاته، مثلما نسأل صديقنا: ماذا أكلت اليوم؟ هذا السؤال فيه تحديد لمنطقة الجواب، والجواب عنه أيضا يحدد المنطقة. وموضوع السؤال في قول الله تعالى:

ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النسآء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن

[البقرة: 222]. يدل عليه الجواب، فهم لم يسألوا عن أسباب المحيض، أو لماذا ينقطع عن الحامل أو من بلغت الكبر، لكن كان موضوع السؤال الذي هو واضح من إجابة الحق تبارك وتعالى: أيجوز أن يباشر الرجل المرأة أثناء المحيض أم لا؟ وسؤال آخر سألوه للرسول صلى الله عليه وسلم عن اليتامى، ويحدد الجواب موضوع السؤال: يقول الله تعالى:

ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شآء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم

[البقرة: 220]. لأنهم كانوا يتخوفون من مخالطة اليتامى في الأموال ومن مؤاكلتهم، وغير ذلك من ألوان التعامل، ورعا وبعدا عن الشبهات وجاءت الإجابة لتحدد موضوع السؤال: ومرة يأتي السؤال وفيه تحديد مناط الإجابة لأنها عامة مثل قوله الحق تبارك وتعالى:

يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج

[البقرة: 189]. هم سألوا محمدا صلى الله عليه وسلم: لماذا يبدأ الهلال صغيرا ولماذا يكبر، ثم لماذا يختفي في المحاق؟. وهذا سؤال في الفلك. ولم يجبهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلا في الحدود التي يستفيدون منها وهي القيمة النفعية العملية، وجاءت الإجابة:

قل هي مواقيت للناس والحج

[البقرة: 189]. لأننا ورغم وجودنا في هذا القرن العشرين إلا أن البعض من الناس ما زال يكذب الحقيقة العلمية التي ثبتت بما لا يدع مجالا لأي شك. ونقول للعامة: إن الهلال يشبه قلامة الظفر ثم يكبر ليستدير ثم يختفي قليلا قليلا. وفي هذا يقول الشاعر:

وغاية ضوء قمير كنت آمله

مثل القلامة قد قدت عن الظفر

ولو قال لهم: إن الهلال يظهر حين تتوسط الأرض بين الشمس والقمر ثم يبدأ في الاكتمال تباعا، لما استطاعت عقولهم أن تستوعب هذه المسألة، فجاء لهم بالحكمة المباشرة النفعية التي تدركها عقولهم تماما، ثم ارتقت العقول بالعلم ووصلنا إلى دراسة حركة الأفلاك التي توضح كل التفاصيل الفلكية. وهناك سؤال يجيء في أمر محدد، مثل قول الحق:

يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله

[البقرة: 217]. وهكذا عرفنا أن موضوع السؤال هو عن حكم القتال في الشهر الحرام، لا طلب تحديد الأشهر الحرم بالذات. ويقول الحق تبارك وتعالى هنا: ﴿ يسألونك عن الأنفال ﴾ والأنفال جمع نفل بفتح الحرف الأول والثاني، مثل كلمة سبب وأسباب، والمراد بالنفل هنا الغنيمة لأنها من فضل الله تعالى وهي من خصائص سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد اختصت بها هذه الأمة دون الأمم السابقة، والنفل بالسكون الزيادة، ومنه صلاة النافلة لأنها زيادة عن الفريضة الواجبة، وفي هذا المعنى يقول ربنا عز وجل في آية ثانية:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩٨١