قال المتصوف ذلك ليدلك على أن هذه السورة تتكلم في أمور الحياة بدءا للخلق من آدم. إشارة إلى أولية خلق الإنسان، ووسطا وهو المعاش، ونهاية وهو الموت والحساب ثم الحياة في الدار الأخرة، وجاءت " الصاد " لأن في هذه السورة قصص أغلب الأنبياء. هكذا جال هذا المتصوف جولة وطلع بها، أنردها عليه؟ لا نردها بطبيعة الحال، ولكن نقول له: أذلك هو كل علم الله فيها؟. لا لأن علينا أن نتعرف على المعاني التي فيها وأن نأخذها على قدر بشريتنا، ولكن إذا قرأناها على قدر مراد الله فيها فلن نستوعب كل آفاق مرادات الله لأن أفهامنا قاصرة. ونحن البشر نضع كلمات لا معنى لها لكي تدل على أشياء تخدم الحياة، فمثلا نجد في الجيوش من يضع " كلمة سر " لكل معسكر فلا يدخل إلا من يعرف الكلمة. ومن يعرف " كلمة السر " يمكنه أن يدخل. وكل كلمة سر لها معنى عند واضعها، وقد يكون ثمنها الحياة عند من يقترب من معسكر الجيش ولا يعرفها. ﴿ المص ﴾ [الأعراف: 1]. ونجد بعد هذه الحروف المقطعة حديثا عن الكتاب، فيقول سبحانه: ﴿ كتاب أنزل إليك... ﴾.
7.2
وساعة تسمع " أنزل " فافهم أنه جاء من جهة العلو أي أن التشريع من أعلى. وقال بعض العلماء: وهل يوجد في صدر رسول الله حرج؟. لننتبه أنه ساعة يأتي أمر من ربنا ويوضح فيه ﴿ فلا يكن في صدرك حرج ﴾ ، فالنهي ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما النهي للحرج أو الضيق أن يدخل لرسول الله، وكأنه سبحانه يقول: يا حرج لا تنزل قلب محمد. لكن بعض العلماء قال: لقد جاء الحق بقوله سبحانه: ﴿ فلا يكن في صدرك حرج ﴾ لأن الحق يعلم أن محمدا قد يضيق صدره ببشريته، ويحزن لأنهم يقولون عليه ساحر، وكذاب، ومجنون. وإذا ما جاء خصمك وقال فيك أوصافا أنت أعلم منه بعدم وجودها فيك فهو الكاذب لأنك لم تكذب ولم تسحر، وتريد هداية القوم، وقوله سبحانه: ﴿ فلا يكن في صدرك حرج ﴾ قد جاء لأمر من اثنين: إما أن يكون الأمر للحرج ألا يسكن صدر رسول الله، وإما أن يكون الأمر للرسول طمأنة له وتسكينا، أي لا تتضايق لأنه أنزل إليك من إله، وهل ينزل الله عليك قرآنا ليصبح منهج خلقه وصراطا مستقيما لهم، ثم يسلمك إلى سفاهة هؤلاء؟ لا، لا يمكن، فاطمئن تماما. ﴿ فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين ﴾ [الأعراف: 2]. والإنذار لا يكون إلا لمخالف لأن الإنذار يكون إخبارا بشر ينتظر من تخاطبه. وهو أيضا تذكير للمؤمنين مثلما قال من قبل في سورة البقرة:
هدى للمتقين
[الآية: 2]. وهنا نلاحظ أن الرسالات تقتضي مرسلا أعلى وهو الله، ومرسلا وهو الرسول، ومرسلا إليه وهم الأمة، والمرسل إليه إما أن يستمع ويهتدي وإما لا، وجاءت الآية لتقول: ﴿ كتاب أنزل ﴾ من الله وهو المرسل، و " إليك " لأنك رسول والمرسل إليهم هم الأمة، إما أن تنذرهم إن خالفوا وإما أن تذكرهم وتهديهم وتعينهم أو تبشرهم إن كانوا مؤمنين. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ اتبعوا مآ أنزل... ﴾.