تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.25

كأنه قال: ﴿ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ﴾ فأحب أن يعطينا الصور لرحلة الحياة، ويرسم لنا علاقتنا بالأرض التي قال فيها:

إني جاعل في الأرض خليفة..

[البقرة: 30]. فقد ربطنا بالأرض. إيجادا من طينها، ومتعة بما فيها من ميزات، وخيرات وثمرات، ثم نموت لنعود لها ونبعث من بعد ذلك. فالإنسان منا من الأرض، منها يحيا وفيها يموت، ويذهب إلى أصله ومرجعه، إلى الأم الأرض، فهي تكفته وتضمه وتأخذه في حضنها فهي الحانية عليه وبخاصة في وقت ضعفه. وساعة ما يكون الإنسان في حالته الطيبة، وله أخ حالته عكس ذلك فإن قلب الأم إنما يكون مع الضعيف، ومع المريض، ومع الصغير. والأرض هي التي تأخذ كل البشر، تأخذ الإنسان وتمص منه الأذى، وتداري رائحته، أما أحبابه في الدنيا وإخوانه، فقد سارعوا بمواراته التراب تفاديا لرحلة التحلل. وبمجرد أن يموت الإنسان، أول ما ينسى هو اسمه فيقولون: " أين الجثة " ، ولا يقولون: " أين فلان ". وبعد الكفن يوضع الجثمان في النعش، ليوارى في التراب ويدمدم اللحاد عليه برجليه. وينتقل الحق بعد ذلك بالخطاب إلى أبناء آدم فيقول: ﴿ يابني ءادم قد أنزلنا... ﴾.

7.26

وكلمة ﴿ يابني ءادم ﴾ لفت إلى أن تتذكروا ماضي أبيكم مع عدوكم المبين، إبليس، أنتم أولاد آدم، والشيطان موجود، فانتبهوا. لقد أنزل الحق عليكم لباسا يواري سوءاتكم لأن أول مخالفة حدثت كشفت السوءة، والإنزال يقتضي جهة علو لنفهم أن كل خير في الأرض يهبط مدده من السماء، وسبحانه هو من أنزل اللباس لأنه هو الذي أنزل المطر، والمطر روى بذور النبات فخرجت النباتات التي غزلناها فصارت ملابس، وكأنك لو نسبت كل خير لوجدته هابطا من السماء. ولذلك يمتن الحق سبحانه وتعالى على عباده فيقول:

وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج..

[الزمر: 6]. نعم هو الذي أنزل من الأنعام أيضا لأن السببية في النبات من مرحلة أولى، والسببية في الحيوان من مرحلة ثانية، فهو الذي جعل النبات يخرج من الأرض ليتغذى عليه الحيوان، ويقول سبحانه أيضا:

لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس..

[الحديد: 25]. نعم فسبحانه هو من أنزل الحديد أيضا لأننا نأخذه من الأرض التي خلقها الله، وهذا دليل على أن التنزيلات إنما أراد الله أن يحمي بها كل منهج. ﴿ يابني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم.. ﴾ [الأعراف: 26]. فإذا كنا قد أنزلنا اللباس الذي يواري سوءات الحس وسوءات المادة، كذلك أنزلنا اللباس الذي يواري سوءات القيم. فكلما أنكم تحسون وتدركون أن اللباس المادي يداري ويواري السوءة المادية الحسية فيجب أن تعلموا أيضا أن اللباس الذي ينزله الله من القيم إنما يواري ويستر به سواءتكم المعنوية. ولباس الحياة المادية لم يقف عند مواراة السوءات فقط، بل تعدى ذلك إلى ترف الحياة أيضا. لذلك قال الحق: ﴿ قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون ﴾ [الأعراف: 26]. والريش كساء الطير، وقديما كانوا يأخذون ريش الطير ليزينوا به الملابس. وكانوا يضعون الريش على التيجان، وأخذ العوام هذه الكلمة وقالوا: فلان مريش أي لا يملك مقومات الحياة فقط، بل عنده ترف الحياة أيضا، فكأن هذا القول الكريم قد جاء بمشروعية الترف شريطة أن يكون ذلك في حل. وقبل أن يلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى مقومات الحياة لفتنا إلى الجمال في الحياة، فقال سبحانه:

والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة..

[النحل: 8]. والركوب لتجنب المشقة، والزينة من أجل الجمال. وكذلك يقول الحق سبحانه:

قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق..

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٧٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٧٧٤