تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

37 - سورة الصافات

37.1-4

هذا الأسلوب يسمى أسلوب القسم، الله تعالى هو المقسم يقسم على ﴿ إن إلهكم لواحد ﴾ [الصافات: 4] وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بمراده تعالى في القسم، فالله يريد منا إن أقسمنا ألا نقسم إلا به سبحانه، لكن بالاستقراء رأينا أن الحق سبحانه يقسم بخلق من خلقه، فيقسم بالملائكة، ويقسم بالحيوان، ويقسم بالجبال، ويقسم بالفجر.. الخ. قالوا: لأن الله تعالى يقسم بما يشاء على من يشاء، أما أنت فلا تقسم إلا بالله، لأن القسم تعظيم للمقسم به، وينبغي ألا يكون معظما عند المؤمن إلا الله، ولا يصح أن تقول وحياة فلان، ورأس علان فإن كنت حالفا فلتحلف بالله، كما جاء في الحديث الشريف:

" من كان حالفا فليحلف بالله ".

فإذا ظهر ما يكون ظاهره قسما بغير الله، فاعلم أنه لا يعد قسما، وخصوصا إن جاء من عالم أو يقيني كأن يقول: وحياة أبوك يا فلان تعمل كذا وكذا، هذا ليس قسما، إنما هو مساءلة. القسم: أن تقسم على شيء، حدث أو لم يحدث، إنما طلب الشيء يسمى مساءلة، كذلك يقول الحق تعالى:

..الذي تسآءلون به والأرحام

[النساء: 1] أي: وبالأرحام في قراءة من جر الأرحام. والحق سبحانه يقسم بما يشاء على من يشاء، وأنت لا تقسم إلا بالله لأن الشيء قد يكون تافها في نظرك، ولكنه عند خالقه عظيم، وله مهمة تغفل أنت عنها، وحين يحلف الله به إنما يلفت نظرك إلى أهميته ودوره، فمثلا لما فتر الوحي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلتفت الكفار إلى الحكمة من ذلك. والحكمة أن الوحي كان يثقل على رسول الله، حتى يبلغ منه الجهد، وحتى أن جبينه ليتفصد عرقا، وإن نزل الوحي عليه وهو على دابة فإنها تئن وتنخ به ذلك لأن الوحي ثقيل. كما قال سبحانه:

إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا

[المزمل: 5]. فجاءت فترة انقطاع الوحي رحمة برسول الله، وتسرية عنه، وتخفيفا من معاناته، ثم ليشتاق هو إلى الوحي يعاوده من جديد، لم يلتفت الكفار إلى ذلك، وقالوا: إن رب محمد قلاه يعني: تركه وهجره وجفاه، وواضح ما في هذا القول من تناقض، فعند الإيمان يكذبون بمحمد ورب محمد، وعند الجفوة يقولون: إن رب محمد قلاه، ويعترفون أن له ربا!! لذلك أراد الحق سبحانه أن يوضح لهم هذه المسألة، وأن يظهر غباءهم بهذا المقسم الذي جاء مناسبا للموقف، يحمل إشارة لطيفة إلى العلاقة بين المقسم به، والمقسم عليه، فقال سبحانه:

والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى

[الضحى: 1-5].

والمعنى: أنك يا محمد أجهدت بالوحي، وكان لا بد أن تستريح لتشتاق نفسك إليه وتطلبه، وحين ترتاح سيخفف ذلك من معاناتك في استقباله، وسوف تذوق حلاوته من جديد، ويكون عليك أيسر وأسهل، وأتى الحق سبحانه بهذا القسم بشيء موجود مشاهد، لا يختلف عليه اثنان. فهم يعرفون ﴿ الضحى ﴾ [الضحى: 1] حين تشرق الشمس، وتنير الكون، ويعرفون

والليل إذا سجى

[الضحى: 2] يعني: سكن وهدأ، والإشارة هنا في أن الضحى إذا جاء ثم تلاه الليل بسكونه، هل يعني هذا أن الضحى لن يعود مرة أخرى؟ لا، بل سيأتي الضحى من جديد بعد أن تكون قد ارتحت من تعب النهار والسعي فيه، واستعدت نشاطك ليوم جديد، ومعنى

وللآخرة خير لك من الأولى

[الضحى: 4] أي: أن عودة الوحي ثانية ستكون أحلى من الأولى، وأخف وأيسر. إذن: الحق سبحانه يقسم بما يشاء من مخلوقاته، ليعلمنا أن هذه الأشياء عظيمة عند خالقها، لكن غفلنا نحن عن وجه العظمة فيها، ويقسم بما يشاء من مخلوقاته ليقرب لنا بواسطة المعلوم شيئا مجهولا. هنا يقول تعالى: ﴿ والصافات صفا ﴾ [الصافات: 1] الواو تسمى واو القسم مثل: التاء والباء. نقول: والله وبالله وتالله، وقد يستغنى عن حروف القسم، ويستدل عليه باللام في جواب القسم، كما في:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩٢٤