تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.55

والدعاء إنما يكون من عاجز يدعو أو قادرا على إنجاز وتحقيق ما عجز عنه أو يعينه عليه. وعندما تشعر أنك عاجز فأنت ترتكن إلى من له مطلق القدرة لأن قدرتك محدودة. إذن فإن كنت تطغى أو تتكبر فاعرف مكانتك ومنزلتك جيدا وتراجع عن ذلك لأنك عرض زائل، والدعاء هو تضرع، وذلة، وخشوع، وإقرار منك بأنك عاجز، وتطلب من ربك المدد والعون. واستحضار عجزك وقدرة ربك تمثل لك استدامة اليقين الإيماني. وما جعل ربنا للناس حاجات إلا من أجل ذلك لأن الإنسان إذا ما رأى الأشياء تنفعل له، ويبتكر ويخترع فقد يأخذه الغرور، فيأتي له بحاجة تعز وتعجز فيها الأسباب، فيقف ليدعو. ومن كان متكبرا وعنده صلف وغطرسة يذهب إلى رجل " غلبان " زاهد تجرد من الجاه والسلطان منقطع لعبادة الله ويقول له: أستحلفك برسول الله أن تدعو لي لأني في أزمة والذي يسأل الغلبان الزاهد هو رجل عزيز في قومه لكنه يظن أن الغلبان الزاهد أقرب إلى الله منه. إذن الدعاء هو الضراعة وإظهار الذلة والخشوع لله لكي يستديم اليقين الإيماني. ﴿ ادعوا ربكم تضرعا وخفية.. ﴾ [الأعراف: 55]. وإياك أن تدعو وفي بالك أن تقضي حاجتك بالدعاء، عليك بالدعاء فقط لقصد إظهار الضراعة والذلة والخشوع، ولأنك لو لم تدع فستسير أمورك كما قدر لها، والدعاء هو إظهار للخشوع، وإياك أن تفهم أنك تدعو الله ليحقق لك مطالبك لأنه سبحانه منزه أن يكون موظفا عندك، وهناك نظام وضعه سبحانه لتحقيق مطالب العباد. ومن الناس من يطلب بالدعاء أشياء ضارة.

ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان الإنسان عجولا

[الإسراء: 11]. والإنسان قد يتعلق قلبه بأماني قد تضره لذلك نقول: لا تتعجل بالدعاء طلبا لأمنيات قد تكون شرا عليك، والحق العليم ينظم لنا أمورنا، وإياك أيضا أن تيأس حين لا تجاب دعوتك التي في بالك لأن الله يحقق الخير لعباده. ولو حقق لك بعضا مما تدعو فقد يأتي منها الشر، ويترك الله لأقضيتك أمورا تبين لك هذا، وتقول: إن الشيء الفلاني الذي كنت أتمناه تحقق وجاء شرا علي. مثال ذلك قد تحجز لطائرة لكنك لا تلحق بها فقد أقلعت قبل أن تصل إليها وحزنت لأن بعضا من مصالحك قد فاتك ولم يتحقق وتفاجأ بأن هذه الطائرة سقطت في البحر. إذن، اجعل حظك من الدعاء هو الخشوع والتذلل والضراعة له سبحانه لا إجابتك إلى ما تدعو إليه، إنك دعوت لتطلب الخير، فدع الحق بقيوميته وعلمه يحقق لك الخير. واسمع قول الله:

ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان الإنسان عجولا

[الإسراء: 11]. إذن فحين يقول الحق: ﴿ ادعوا ربكم تضرعا وخفية ﴾ فسبحانه يطلب منا أن ندعوه لأننا سنواجه لحظات متعددة نعجز فيها عن أشياء، فبدلا من أن تظل مقهورا بصفة العجز عن الشيء اذكر أن لك ربا قويا مقتدرا، وساعة تذكر ذلك لن تأخذك الأسباب من حظيرة الإيمان.

وقلنا من قبل: من له أب لا يحمل هما للحياة، فإذا كان الذي له أب لا يحمل هما لمطلوبات الحياة فمن له رب عليه أن يستحي ويعرف أن ربه سيوفر له الخير لذلك يوضح سبحانه: إذا أعجزتكم الأسباب فاذكروا أن لكم ربا. وقد طلب منكم أن تدعوه، ولا تظن أن حظك من الدعاء أن تجاب إلى ما طلبت، بل ليكن حظك من الدعاء إظهار التذلل والخشوع لله فقد يكون ما حدث لك نتيجة أنك قد اغتررت بنفسك. وقد سبق " قارون " إلى الغرور، فماذا حدث له؟.. لقد هزمه الحق وأنزل به شر العقاب. وقد يجعل الحق من تأبى الأسباب وامتناعها عليك مغزى لتلتفت إلى الله، لكن لفتتك لله لا يصح أن تكون بغرض أن يقضي حاجتك، بل اجعل أساس لفتتك لله أن تظهر العجز أمامه والخضوع والخشوع ليعيطك ما لم يكن في بالك حين تدعوه. ﴿ ادعوا ربكم تضرعا وخفية.. ﴾ [الأعراف: 55]. خفية لها معنى وهو أن يكون الدعاء دعاء مستورا مختبئا، ولها معنى آخر وهو أن تكون من الخوف أي ادعو ربكم خوفا من متعلقات صفات الجلال كالجبار والقهار أو خوفا من أن يردها الله عليك فلا يقبلها منك. ادعوا ربكم تضرعا بذلة وانكسار وخضوع خفية بينك وبين ربك، فلا تجهر بالدعاء وتجعله عملك الوحيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا حينما كان في غزوة غزاها فنزل أصحابه واديا، فلما نزلوا الوادي صاحوا بالتهليل والتكبير، فقال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٨١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٨١٠