تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.101

هذا هو المراد في سرد القصص بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوضحه الحق في موضع آخر من القرآن فقال:

وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك..

[هود: 120] فإذا ما حدث لك من أمتك وقومك شيء من العناد والإصرار والمكابرة فاعلم أنك لست بدعا من الرسل لأن كل رسول قد قابلته هذه الموجة الإلحادية من القوم الذين خاطبهم. وإذا كان رسول يأخذ حظه من البلاء بقدر ما في رسالته من العلو فلابد أن تأخذ أنت ابتلاءات تساوي ابتلاءات الرسل جميعا. ﴿ تلك القرى نقص عليك من أنبآئها ولقد جآءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ﴾ [الأعراف: 101]. والطبع - كما قلنا - هو الختم لأن قلوبهم ممتلئة بالضلال لذلك يعلنون التكذيب للرسول. وقد طبع الله على قلوبهم لا قهرا منه، ولكن لاستبطان الكفر وإخفائه في قلوبهم. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وما وجدنا لأكثرهم من... ﴾.

7.102

وهؤلاء الذين كذبوا الرسل، وردوا منهج الله الذي أرسله على ألسنة رسله. كانت لهم عهود كثيرة. فما وفوا بعهد منها، مثال ذلك: العهد الجامع لكل الخلق، وهو العهد الذي أخذه الله على ذرية آدم من صلبه حين مسح الله على ظهر آدم، وأخرج ذريته وقال:

ألست بربكم قالوا بلى..

[الأعراف: 172]. وقد يقف العقل في أخذ مثل هذا العهد على الذرية الموجودة في آدم لذلك نقول: إذا قال الله فقد صدق عقلنا ذلك أو لم نعقله، إنك لو نظرت إلى " آحاد البشر " ، أي إلى الأفراد الموجودين، تجد نفسك وغيرك يجد نفسه نسلا لآبائكم، وهذا يدل على أن الإنسان وجد من حيوان منوي حي انتقل إلى بويضة حية من أمه فنشأ هذا الإنسان. ولو طرأ على الحيوان المنوي موت، أو طرأ على البويضة موت امتنع الإنسال. إذن فكل إنسان منا جزء من حياة أبيه، وأبوه جزء من حياة والده، ووالده جزء من حياة أبيه، وإن سلسلت ذلك فسنصل لآدم، فكل واحد من ذرية آدم إلى أن تقوم الساعة فيه جزئ حي من آدم. وما دام فيه جزئ حي من آدم فقد شهد الخلق الأول، ولذلك حين يسألهم الله سؤال التقرير ويقول: ﴿ ألست بربكم ﴾؟ فيقولون: ﴿ بلى ﴾. وضربنا المثل لنقرب وقلنا إن الذرية الشائعة في شيء، تشيع في أضعاف الشيء، وسبق أن قلنا: إننا إذا جئنا بمادة ملونة حمراء - مثلا - في حجم سنتيمتر مكعب، ثم أذبناها في قارورة، وبذلك يصبح كل جزء في القارورة فيه جزء من المادة الملونة، وإن أخذت القارورة وألقيتها في برميل واسع، هنا تصير كل قطرة من البرميل فيها جزيء من المادة الحمراء، وإن أخذت ماء البرميل وألقيته في البحر فكل ذرة في البحر الواسع يصير فيه جزيء من المادة الملونة، وهكذا يقرب من ذهن كل منا أن في كل إنسان جزيئا من آدم، وقد شهد هذا الجزئ العهد الأول. ولقائل أن يسأل: كيف يخاطب الله الذر الذي كان موجودا في ظهر آدم؟. نقول: كما خاطب الأرض وخاطب السماء، فهو القائل:

ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين

[فصلت: 11]. إذن فعدم إدراكنا لكيفية الخطاب بين رب ومربوب، لا يقدح في أن هذه المسألة لها أصل ولها وجود. وهذا بالنسبة للعهد الأول، وبعده العهد الثاني الذي أخذه الله على رسله، مصداقا لقوله الحق:

وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين

[آل عمران: 81]. ثم هناك عهود خاصة أنشأتها الأحداث الخاصة، مثلما يقول الحق سبحانه وتعالى:

هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٨٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٨٥٢