51.60
كلمة ويل قالوا: واد في جهنم، وقالوا: ويل. يعني: هلاك وعذاب ولعن من الله لهؤلاء الذين خرجوا عن طاعته ولم يؤدوا المهمة التي خلقوا من أجلها وهي عبادة الله وحده. فلما استغنوا عن الله استغنى الله عنهم، فأبعدهم من رحمته وخلدهم في عذابه، فلا يقضي عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها. لذلك حكى الله عنهم:
ونادوا يمالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون
[الزخرف: 77] وقال عنهم:
كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب..
[النساء: 56]. وقوله تعالى: ﴿ من يومهم الذي يوعدون ﴾ [الذاريات: 60] أي: يومهم الذي وعدهم الله به وحذرهم منه، فالله تعالى لم يأخذهم على غرة، ولم يتركهم في غفلة، إنما بين لهم العواقب. فقال:
من عمل صلحا فلنفسه ومن أسآء فعليها..
[فصلت: 46].
52 - سورة الطور
52.1-3
نلاحظ أن مطلع سورة الطور يتشابه ومطلع سورة الذاريات قبلها، ففي الذاريات يقسم الحق سبحانه:
والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا * فالجاريات يسرا * فالمقسمات أمرا
[الذاريات: 1-4] وجواب القسم
إنما توعدون لصادق * وإن الدين لوقع
[الذاريات: 5-6]. وهنا يقسم الحق سبحانه:
والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور * والبيت المعمور * والسقف المرفوع * والبحر المسجور
[الطور: 1-6] وجواب القسم
إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع
[الطور: 7-8] فكلاهما يقسم على صدق الإخبار بيوم القيامة، وما فيه من العذاب الذي لا يرد ولا يدفع. وحينما نتأمل المقسم به في الموضعين نجده في سورة الذاريات أقسم بأشياء مادية، أقسم بالرياح والسحب التي تحمل الماء الذي يحيي الأرض. وفي الطور أقسم بأشياء روحية قيمية، فالمادة تسعدك في الدنيا، والقيم تسعدك في الدنيا والآخرة، والدنيا مهما طالت تنتهي إلى الآخرة الباقية التي لا نفاد لنعيمها. لذلك خاطبنا الحق سبحانه بقوله:
يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم..
[الأنفال: 24] يخاطبهم وهم أحياء يرزقون، إذن: يقصد حياة أخرى غير هذه الحياة، يقصد حياة القيم، حياة النعيم الدائم الذي لا يزول. وهذا معنى قوله تعالى:
وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون
[العنكبوت: 64] الحيوان أي: الحياة الحقيقية التي لا يهددها فناء. لكن لماذا أقسم الحق سبحانه هنا بالطور؟ قالوا: لأن الرسل كلموا بالوحي، أما موسى عليه السلام فكلمه الله مباشرة بالكلام المباشر من على هذا الجبل، ومن هنا كانت لجبل الطور منزلة خاصة. ذلك لأن بني إسرائيل قوم عندهم لدد وعناد في الخصومة، ويميلون إلى المادية في كل شيء حتى في الدين، لذلك قالوا لموسى:
لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة..
[البقرة: 55] فلو قال لهم: إن الوحي أتاني سرا ما صدقوه. قوله تعالى: ﴿ والطور ﴾ [الطور: 1] الواو هنا واو القسم، فالحق سبحانه يقسم بالطور أي جبل الطور، وقلنا: إن الحق سبحانه يقسم بما يشاء من مخلوقاته، والطور وردت في القرآن عشر مرات لعظم هذه المكان عند الله. ومن على جبل الطور كلم الله سيدنا موسى ﴿ وكتاب مسطور ﴾ [الطور: 2] كتاب أي مكتوب وهو التوراة وفيها الألواح. ومسطور يعني: كتابة منظمة في سطور مش منعكش. وقوله: ﴿ في رق منشور ﴾ [الطور: 3] الرق: كل ما يكتب فيه من جلد، وهو أول ما كتبوا فيه أو عظم أو غيره ﴿ منشور ﴾ [الطور: 3] مبسوط غير مطوي أو مغلق، مثل تاجر القماش ينشر لك الثوب ويعرضه عليك، وهذا يعني أنه ثوب جيد لا عيب فيه ولو كان فيه عيب ما نشره، وما أعطاك الفرصة لتتفقده. فالحق سبحانه نشر كتابه وعرضه على الخلق ليقرؤوه، وهذا يعني أنه كتاب محكم دقيق، لا عيب فيه ولا خلل.