7.204
وما دام قد أوضح لك المولى سبحانه وتعالى من قبل أن هذا القرآن بصائر من ربنا وهدى ورحمة، ألا يستحق أن تحتفي به أيها المؤمن؟.. ألا تجذبك هذه الحيثيات الثلاث لأن تعطي له أذنك وألا تنصرف عنه؟. إذن لا بد أن تنصت للقرآن الكريم لتتلقى الفوائد الثلاث البصائر، والهدى، والرحمة، وهو حقيق وجدير أن يحرص على سماعه إن قرئ. ولنلحظ أن الله تعالى قال: ﴿ فاستمعوا له ﴾ ولم يقل " اسمعوا " ، لأن الاستماع فيه تعمد أن تسمع، أما السمع فأنت تسمع كل ما يقال حولك، وقد تنتبه إلى ما تسمع وقد لا تنتبه، ومن الرحمة المحمدية يقول حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ناهيا عن التسمع لأسرار الغير تجسسا عليهم بالبحث عن عوراتهم فيما يرويه عنه سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" لا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخوانا ".
وفي هذا تحذير من هذه الأمور الخمسة التي منها التلصص والتصنت إلى أسرار الناس. ﴿ وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ﴾ [الأعراف: 204]. والإنسان قد يصمت ويستمع ولكن بغير نية التعبد فيحرم من ثواب الاستماع، فاستمع وأنصت بنية العبادة، لأن الله هو الذي يتكلم، وليس من المعقول والتأدب مع الله أن يتكلم ربك ثم تنصرف أنت عن كلامه، وقد لفت أنظارنا سيدنا جعفر الصادق: ونبهنا إلى ما فيه الخير حيث يقول: " عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قوله تبارك وتعالى:
حسبنا الله ونعم الوكيل
[آل عمران: 173]، فإني سمعت الله عقبها يقول:
فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء
[آل عمران: 174]. وعجبت لمن اغتم، ولم يفزع إلى قوله تبارك وتعالى:
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
[الأنبياء: 87] فإني سمعت الله عقبها يقول:
فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين
[الأنبياء: 88]. وعجبت لمن مكر به، ولم يفزع إلى قوله تبارك وتعالى:
وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد
[غافر: 44]. فإني سمعت الله عقبها يقول:
فوقاه الله سيئات ما مكروا
[غافر: 45]. وعجبت لمن طلب الدنيا ولم يفزع إلى قوله تبارك وتعالى:
ما شآء الله لا قوة إلا بالله
[الكهف: 39]. فإني سمعت الله عقبها يقول:
فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك
[الكهف: 40]. ونحن حين نستمع لقراءة القرآن الكريم بنية التعبد فذلك هو حسن الأدب الذي يجب أن نستقبل به العبر التي تعود بالفائدة علينا. ووقف العلماء حول الإنصات سماعا للقرآن أيكون الإنصات إذا قرئ القرآن مطلقا في أي حال من الأحوال، أو حين يقرأ في الصلاة، أو حين يقرأ في خطبة الجمعة؟ وقد اختلفوا في ذلك، فبعضهم قال: إن المقصود هو الإنصات للقرآن حين يقرأ في الصلاة، والسبب في ذلك أن الأوائل من المسلمين كانوا حينما يقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، يعيدون بعده كل جملة قرأها فإذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم قالوا: بسم الله الرحمن الرحيم، وإذا قال: " الحمد لله رب العالمين " ، قالوا: " الحمد لله رب العالمين " فينبههم الله عز وجل إلى أن يتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ وهم يستمعون إليه دون ترديد للقراءة.
وقال آخرون من العلماء: الإنصات للقرآن الكريم يكون في الصلاة، وفي خطبة الجمعة أو العيدين، لأنها تشتمل على آيات من القرآن، ولكن اشتمالها على الآيات أقل مما يقوله الخطيب، ونبه البعض إلى أن الإنصات للخطبة ثبت بدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام:
" إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت ".
إذن الإنصات للخطبة جاء بدليل من السنة. وهناك قول بأن الاستماع مطلوب للقرآن في أي وضع من الأوضاع حين يقرأ ففي هذا احترام ومهابة لكلام الله عز وجل، وينسب هذا القول إلى إمامنا وسيدنا ومولانا سيدي " أبي عبد الله الحسين " ، فيقول: إذا قرئ القرآن سواء إن كنت في صلاة أو كنت في خطبة، أو كنت حرا فأنصت لأن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يميز القرآن على مطلق الكلام، فميزه بأشياء، إذا قرئ ننصت له، وإذا مس المصحف لا بد أن يكون على " وضوء " حتى لا يجترئ الناس ويمسوا المصحف كأي كتاب من الكتب، وهذا يربي المهابة فلا تمسك المصحف إلا وأنت متوضئ، فإذا علمنا أولادنا، نقول للواحد منهم: لا تقرب المصحف إلا وأنت متوضئ فتنشأ المهابة في نفس الولد. وأيضا في " الكتابة " شاء الحق تبارك وتعالى لبعض ألفاظه كتابة خاصة غير كتابة التقعيد الإملائي حتى يكون للقرآن قداسة خاصة، فهو كتاب فريد وليس ككل كتاب وكلامه ليس ككل كلام. ﴿ وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ﴾ [الأعراف: 204]. وبعض العلماء قال: ليس المطلوب مجرد الاستماع بالآذان، بل المقصود بالاستماع هنا هو أن نستجيب لمطالبه، ألا تقولون لبعضكم حين يدعو بعضكم لبعض: " الله يسمع دعاك "؟ إنك تقولها وأنت تعلم أن الله سامعك، ولكنك تقصد بها أن يستجيب سبحانه وتعالى لهذا الدعاء، إذن فالاستماع للقرآن يقتضي الاستجابة لمطلوبات القرآن. لماذا؟ لننال الرحمة من الحق فهو الرحمن الرحيم. ﴿ لعلكم ترحمون ﴾. ونعلم أن " لعل " " وعسى " حين تقال يقصد بها الرجاء، و " ليت " تعني التمني وهو مستحيل ولا يتوقع، ونحن نتمنى لنظهر أن هذا أمر محبوب لنا، لكننا نعلم أنه مستحيل، مثلما قال الشاعر العجوز: