وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم
[الزخرف: 31]. ولقد كان تمنيهم أن ينزل القرآن على رجل عظيم بمعاييرهم، وهذه شهادة منهم بأن القرآن في ذاته منهج ومعجزة. ولم يتساءلوا: وهل القرآن يشرف بمحمد أو محمد هو الذي يشرف بالقرآن؟ إن محمدا يشرف بالقرآن لذلك يقول الحق:
ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي
[هود: 27]. وهذه هي العظمة لأن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم لم يكونوا من الذين يفرض عليهم الواقع أن يحافظوا على جاههم ويعملوا بسطوتهم وبطشهم وبقوتهم، ويفرضوا الدين بقوة سلطانهم، لا، بل يمر على أتباع رسول الله فترة وهم ضعاف مضطهدون، ويؤذون ويهاجرون، فالمهمة في البلاغ عن الله تأتي لينذر الرسول، ويتقى الأتباع لتنالهم الرحمة نتيجة التقوى، والتقوى جاءت نتيجة الإنذار. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ فكذبوه فأنجيناه والذين معه... ﴾.
7.64
وهنا يتكلم الحق عن حكاية الإنجاء، ونعلم المقدمة الطويلة التي سبقت إعداد سيدنا نوح عليه السلام للرسالة، فقد أراد الله أن يتعلم النجارة، وأن يصنع السفينة.
وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه
[هود: 38]. ولم يجيءالحق هنا بسيرة الطوفان التي قال فيها في موضع آخر من القرآن:
ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر
[القمر: 11]. وجاء الحق هنا بالنتيجة وهي أنهم كذبوه. ﴿ فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ ﴾ [الأعراف: 64]. وكانت هذه أول حدث عقابي في تاريخ الديانات لأن رسالة نوح عليه السلام هي أول رسالة تعرضت إلى مثل هذا التكذيب ومثل هذا العناد، وكان الرسل السابقون لنوح عليهم البلاغ فقط، ولم يكن عليهم أن يدخلوا في حرب أو صراع، والسماء هي التي تؤدب، فحينما علم الحق سبحانه وتعالى أنه بإرسال رسوله صلى الله عليه وسلم ستبلغ الإنسانية رشدها صار أتباع محمد مأمونين على أن يؤدبوا الكافرين. وفي تكذيب نوح عليه السلام يأتينا الحق هنا بالنتيجة. ﴿ فأنجيناه والذين معه ﴾ ولم يقل الحق: كيف أنجاه ولم يأت بسيرة الفلك، بل أخبر بمصير من كذبوه، ويأتي بالعقاب من جنس الطوفان. ﴿ وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ إنهم كانوا قوما عمين ﴾ [الأعراف: 64]. هناك " أعمى " لمن ذهب بصره كله من عينيه كلتيهما، وهناك أيضا عمه وأعمه، والعمه في البصيرة كالعمى في البصر.. أي ذهبت بصيرته ولم يهتد إلى خير. ثم انتقل الحق إلى رسول آخر. ليعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة فيه أيضا. فبعد أن جاء بنوح يأتي بهود.